عُدنا والعودُ أحمدُ ... الرجاء من زوارنا الكرام تزويدنا بالوصلات التي لاتعمل

جديد مدونتنا

إبــحــث عن كتــــاب

السبت، 21 أغسطس، 2010

تاريخ آداب العرب بأجزائه الثلاثة للرافعي




عن الكاتب
ولد مصطفى صادق الرافعي على ضفاف النيل في قرية بهتيم من قرى مدينة القليوبية بمصر في يناير عام 1880م. لأبوين سوريَّين؛ حيث يتصل نسب أسرة والده بعمر بن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله عنهم في نسب طويل من أهل الفضل والكرامة والفقه في الدين. وقد وفد من آل الرافعي إلى مصر طائفة كبيرة اشتغلوا في القضاء على مذهب الإمام الأكبر أبي حنيفة النعمان حتى آل الأمر أن اجتمع منهم في وقت واحدٍ أربعون قاضياً في مختلف المحاكم المصرية؛ وأوشكت وظائف القضاء أن تكون حِكراً عليهم، وقد تنبه اللورد كرومر لذلك وأثبتها في بعض تقارير إلى وزارة الخارجية البريطانية.







أما والد الرافعي الشيخ عبد الرزاق سعيد الرافعي فكان رئيساً للمحاكم الشرعية في كثير من الأقاليم المصرية، وقد استقر به المقام رئيساً لمحكمة طنطا الشرعية، وهناك كانت إقامته حتى وفاته، وفيها درج مصطفى صادق وإخوته لا يعرفون غيرها، ولا يبغون عنها حولاً.







أما والدته فهي من أسرة الطوخي وتُدعى " أسماء " وأصلها من حلب، سكن أبوها الشيخ الطوخي في مصر قبل أن يتصل نسبهم بآل الرافعي. وهي أسرة اشتهر أفرادها بالاشتغال بالتجارة وضروبها.







ثقافته وأدبه







لهذه الأسرة المورقة الفروع ينتمي مصطفى صادق وفي فنائها درج، وعلى الثقافة السائدة لأسرة أهل العلم نشأ؛ فاستمع من أبيه أول ما استمع إلى تعاليم الدين، وجمع القرآن حفظاً وهو دون العاشرة، فلم يدخل المدرسة إلا بعدما جاوز العاشرة بسنة أو اثنتين، وفي السنة التي نال فيها الرافعي الشهادة الابتدائية وسنه يومئذٍ 17 عاماً أصابه مرض التيفوئيد فما نجا منه إلا وقد ترك في أعصابه أثراً ووقراً في أذنيه لم يزل يعاني منه حتى فقد حاسة السمع وهو بعد لم يجاوز الثلاثين.







وكانت بوادر هذه العلة هي التي صرفته عن إتمام تعليمه بعد الابتدائية. فانقطع إلى مدرسته التي أنشأها لنفسه وأعد برامجها بنفسه؛ فكان هو المعلم والتلميذ، فأكبَّ على مكتبة والده الحافلة التي تجمع نوادر كتب الفقه والدين والعربية؛ فاستوعبها وراح يطلب المزيد، وكانت علته سببًا باعد بينه وبين مخالطة الناس، فكانت مكتبته هي دنياه التي يعيشها وناسها ناسه، وجوها جوه وأهلها صحبته وخلانه وسمّاره، وقد ظل على دأبه في القراءة والاطلاع إلى آخر يوم في عمره، يقرأ كل يوم 8 ساعات لا يكل ولا يمل كأنه في التعليم شادٍ لا يرى أنه وصل إلى غاية.







نتاجه الأدبي والفكري







استطاع الرافعي خلال فترة حياته الأدبية التي تربو على خمسٍ وثلاثين سنة إنتاج مجموعة كبيرة ومهمة من الدواوين والكتب أصبحت علامات مميزة في تاريخ الأدب العربي.







(1) دواوينه الشعرية:







كان الرافعي شاعراً مطبوعاً بدأ قرض الشعر وهو في العشرين، وطبع الجزء الأول من ديوانه في عام 1903 وهو بعد لم يتجاوز الثالثة والعشرين، وقد قدّم له بمقدمة بارعة فصّل فيها معنى الشعر وفنونه ومذاهبه وأوليته. وتألق نجم الرافعي الشاعر بعد الجزء الأول واستطاع بغير عناء أن يلفت نظر أدباء عصره، واستمر على دأبه فأصدر الجزأين الثاني والثالث من ديوانه. وبعد فترة أصدر ديوان النظرات، ولقي الرافعي حفاوة بالغة من علماء العربية وأدبائها قلّ نظيرها، حتى كتب إليه الإمام محمد عبده قائلاً: " أسأل الله أن يجعل للحق من لسانك سيفاً يمحق الباطل، وأن يقيمك في الأواخر مقام حسان في الأوائل ".







(2) كتبه النثرية:







قلّ اهتمام الرافعي بالشعر عما كان في مبتدئه؛ وذلك لأن القوالب الشعرية تضيق عن شعوره الذي يعبر عن خلجات نفسه وخطرات قلبه ووحي وجدانه ووثبات فكره، فنزع إلى النثر محاولاً إعادة الجملة القرآنية إلى مكانها مما يكتب الكتاب والنشء والأدباء، أيقن أن عليه رسالة يؤديها إلى أدباء جيله، وأن له غاية هو عليها أقدر، فجعل هدفه الذي يسعى إليه أن يكون لهذا الدين حارساً يدفع عنه أسباب الزيغ والفتنة والضلال، وينفخ في هذه اللغة روحاً من روحه، يردّها إلى مكانها ويرد عنها فلا يجترئ عليها مجترئ، ولا ينال منها نائل، ولا يتندر بها ساخر إلا انبرى له يبدد أوهامه ويكشف دخيلته. فكتب مجموعة من الكتب تعبر عن هذه الأغراض عُدت من عيون الأدب في مطلع هذا القرن. وأهمها:







1. تحت راية القرآن: المعركة بين القديم والجديد: وهو كتاب وقفه –كما يقول- على تبيان غلطات المجددين الذي يريدون بأغراضهم وأهوائهم أن يبتلوا الناس في دينهم وأخلاقهم ولغتهم، وهو في الأصل مجموعة مقالات كان ينشرها في الصحف في أعقاب خلافه مع طه حسين الذي احتل رده على كتاب " في الشعر الجاهلي " معظم صفحات الكتاب.







2. وحي القلم: وهو مجموعة من مقالاته النقدية والإنشائية المستوحاة من الحياة الاجتماعية المعاصرة والقصص والتاريخ الإسلامي المتناثرة في العديد من المجلات المصرية المشهورة في مطلع القرن الماضي مثل: الرسالة، والمؤيد والبلاغ والمقتطف والسياسة وغيرها.







3. تاريخ الأدب العربي: وهو كتاب في ثلاثة أجزاء، الأول: في أبواب الأدب والرواية والرواة والشواهد الشعرية، والثاني: في إعجاز القرآن والبلاغة النبوية، وأما الثالث: فقد انتقل الرافعي إلى رحمة ربه قبل أن يرى النور؛ فتولى تلميذه محمد سعيد العريان إخراجه؛ غير أنه ناقص عن المنهج الذي خطه الرافعي له في مقدمة الجزء الأول.







4. حديث القمر: هو ثاني كتبه النثرية وقد أنشأه بعد عودته من رحلة إلى لبنان عام 1912؛ عرف فيها شاعرة من شاعرات لبنان ( مي زيادة ) ، وكان بين قلبيهما حديث طويل، فلما عاد من رحلته أراد أن يقول فكان " حديث القمر ".







5. كتاب المساكين: وهو كتاب قدّم له بمقدمة بليغة في معنى الفقر والإحسان والتعاطف الإنساني، وهو فصول شتى ليس له وحدة تربطها سوى أنها صور من الآلام الإنسانية الكثيرة الألوان المتعددة الظلال. وقد أسند الكلام فيه إلى الشيخ علي الذي يصفه الرافعي بأنه: " الجبل الباذخ الأشم في هذه الإنسانية التي يتخبطها الفقر بأذاه "، وقد لقي هذا الكتاب احتفالاً كبيراً من أهل الأدب حتى قال عنه أحمد زكي باشاً: " لقد جعلت لنا شكسبير كما للإنجليز شكسبير وهيجو كما للفرنسيين هيجو وجوته كما للألمان جوته ".







6. رسائل الأحزان: من روائع الرافعي الثلاثة؛ التي هي نفحات الحب التي تملكت قلبه وإشراقات روحه، وقد كانت لوعة القطيعة ومرارتها أوحت إليه برسائل الأحزان التي يقول فيها " هي رسائل الأحزان لا لأنها من الحزن جاءت؛ ولكن لأنها إلى الأحزان انتهت؛ ثم لأنها من لسان كان سلماً يترجم عن قلب كان حرباً؛ ثم لأن هذا التاريخ الغزلي كان ينبع كالحياة وكان كالحياة ماضياً إلى قبر ".







7ـ. السحاب الأحمر: وقد جاء بعد رسائل الأحزان، وهو يتمحور حول فلسفة البغض، وطيش القلب، ولؤم المرأة.







8. أوراق الورد رسائله ورسائلها: وهو طائفة من خواطر النفس المنثورة في فلسفة الحب والجمال، أنشأه الرافعي ليصف حالةً من حالاته ويثبت تاريخاً من تاريخه، كانت رسائل يناجي بها محبوبته في خلوته، ويتحدث بها إلى نفسه أو يبعث بها إلى خيالها في غفوة المنى، ويترسل بها إلى طيفها في جلوة الأحلام.







9. على السَّفُّود: وهو كتاب لم يكتب عليه اسم الرافعي وإنما رمز إليه بعبارة إمام من أئمة الأدب العربي؛ وهو عبارة عن مجموعة مقالات في نقد بعض نتاج العقاد الأدبي.







الرافعي ومعاركه الأدبية







كان الرافعي ناقداً أدبياً عنيفاً حديد اللسان والطبع لا يعرف المداراة، ولا يصطنع الأدب في نضال خصومه، وكانت فيه غيرة واعتداد بالنفس، وكان فيه حرص على اللغة كما يقول: " من جهة الحرص على الدين إذ لا يزال منهما شيء قائم كالأساس والبناء لا منفعة بأحدهما إلا بقيامهما معاً ". وكان يهاجم خصومه على طريقة عنترة، يضرب الجبان ضربة ينخلع لها قلب الشجاع، فكانت له خصومات عديدة مع شخصيات عنيدة وأسماء نجوم في الأدب والفكر والثقافة في مطلع القرن، فكانت بينه وبين المنفلوطي خصومة ابتدأها هذا الأخير بسبب رأي الرافعي في شعراء العصر. وكانت له صولات مع الجامعة المصرية حول طريقة تدريس الأدب العربي، وجولات أخرى مع عبد الله عفيفي وزكي مبارك. على أن أكثر معاركه شهرةً وحدة هو ما كان بينه وبين طه حسين، وبينه وبين العقاد، بل لعلها أشهر وأقسى ما في العربية من معارك الأدب.







خصومته مع طه حسين:







كانت هذه الخصومة بسبب كتاب طه حسين " في الشعر الجاهلي " الذي ضمّنه رأيه في أن جُلّ الشعر الجاهلي منحول، وهي مقولة خطيرة تنبه لها الرافعي؛ فحمل عليه حملة شعواء في الصحافة المصرية واستعدى عليه الحكومة والقانون وعلماء الدين، وطلب منهم أن يأخذوا على يده وأن يمنعوه من أن تشيع بدعته بين طلاب الجامعة، وترادفت مقالاته عاصفة مهتاجة تفور بالغيظ والحميّة الدينية والعصبيّة للإسلام والعرب، كأن فيها معنى من معاني الدم، حتى كادت هذه الحملة تذهب بـ " طه " وشيعته؛ إذ وقف معقود اللسان والقلم أمام قوة قلم الرافعي وحجته البالغة، وقد أسرّ " طه " هذا الموقف للرافعي، فما سنحت له سانحة ينال بها من الرافعي إلا استغلها كي يرد له الصاع صاعين. غير أن الرافعي كان يقارعه حجة بحجة ونقداً بنقد حتى توفي رحمه الله.







خصومته مع العقاد:







وكان السبب فيها كتاب الرافعي " إعجاز القرآن والبلاغة القرآنية " إذ كان العقاد يرى رأياً مخالفاً لما يرى الرافعي، وقد نشبت بينهما لذلك خصومة شديدة تجاوزت ميدانها الذي بدأت فيه، ومحورها الذي كانت تدور عليه إلى ميادين أخرى؛ جعلت كلا الأديبين الكبيرين ينسى مكانه، ويغفل أدبه ليلغو في عرض صاحبه، ويأكل لحمه من غير أن يرى ذلك مَعابة عليه، وكان البادئ الرافعي في مقالاته " على السفود " التي جمعها له في كتاب صديقه إسماعيل مظهر، وتوقفت المعركة بينهما فترة وجيزة ما لبثت أن اشتعل أوارها مرة أخرى عندما نشر العقاد ديوانه " وحي الأربعين " فكتب الرافعي نقداً لديوانه، تلقفه العقاد بالسخرية والتهكم والشتم والسباب، ولم تزل بينهما الخصومات الأدبية حتى توفي الرافعي رحمه الله.







وفاته:







توفي الرافعي في مايو سنة 1937 عن عمر يناهز 57 عاماً وكان الرافعي إذ ذاك ما يزال يعمل كاتباً ومحصلاً مالياً في محكمة طنطا، وهو العمل الذي بدأ به حياته العملية عام 1900م.
 
 
عن الكتاب
لقد كان جهد الرافعي في تاريخ الأدب العربي كجهد محمود سامي البارودي في بعث الشعر المعاصر ، إذ أنقذه من هوّة الركاكة والسطحيّة وتنسيق المحسّنات ، وارتفع به إلى مستوى الشعر العباسي ، حيث عارض الفحول من السابقين ، ولم يكد يختلف عنهم في إبداعه الرائع ، وكل من جاء بعده من الشعراء أمثال حافظ وشوقي وأحمد محرّم والكاظمي والكاشف قد انتفع به انتفاعاً اعترفوا به عن غبطة وأجلسوه مجلسه القيادي في ريادة الشعر المعاصر .



وإذا عدم الرافعي من ينصفه في هذا المجال ، فإن الذين قرؤوا كتابه حين ظهر للناس من قادة الفكر قد أحلّوه المحل الأرفع ؛ فالأستاذ أحمد لطفي السيّد ، رئيس تحرير ( الجريدة ) ومدير الجامعة فيما بعد ، قد تحدّث عن الكتاب حديث المعجب المحبّذ ، وعدّه فتحاً جديداً في بابه ، والرافعي حينئذ كاتبٌ ناشئ لم يتردد صداه على النحو الذي عرف به فيما بعد ، فهو إذن لم يندفع إلى مجاملة ما حين اعترف بالحق لصاحبه ، وأحمد زكي ، شيخ العروبة ، أشاد بالكتاب في مجلس علمي بإدارة الجامعة المصريّة ، وقال : إنّه فتح جديد . أما الأمير شكيب أرسلان فقد أفرد له مقالاً رنّاناً بجريدة المؤيد ، جاء فيه : " إنّه لو جاز أن يعكف على كتاب في نواشئ الأسحار بعد كتاب الله لكان كتاب تاريخ الأدب للرافعي " .



ولقد استنكر خليل مطران دعوى من يلومون الشاعر الكبير محمد عبد المطّلب على جزالته البيانية فقال :







ربّ ممرور من الجـهل نعى



صـــــحّة القول عليه فنحـبْ







خال إغراباً وما الإغراب في



ذلك اللفــظ الأصيل المنتخبْ







إنمــــــــا الإغراب فيــه أنّـه



عربـــــــي بين أهليه اغتـربْ







أخـــــــذ المعـدن من منجمـه



هل علـــــيه حرج يا للعجـبْ







ذلك البعــــث هو الفتـح الذي



ليس يــــــعدوه لذي لـبّ أدبْ















قصّة تأليف الرّافعي للكتاب







والكتاب بعدُ مرجع واف من أهم المراجع العربيّة المعاصرة ، ولتأليفه قصّة دعت إلى كتابته ، حيث لم يكن في خطّة الرافعي أن يؤلّف كتاباً في تاريخ الأدب العربي ، ولكن دافعاً حثيثاً قد جذبه إلى هذا الميدان ، فألّف سفره الكبير .



فحين أنشئت الجامعة المصريّة القديمة عام 1908م أخذ الرافعي الأديب الشاب يتطلّع إلى ما يدرس بها من قضايا الأدب العربي ، ولكنّه في مدى سنتين لم يجد غير اتجاهين ؛ اتجاه استشراقي يعني بمسائل العلوم عند العرب كتاريخ الفلك والطب والكيمياء ويقوم بتدريسه نفر من المستشرقين أوتوا الإحاطة بتاريخ هذه العلوم إذ قرؤوا من المطبوعات والمخطوطات ما أهّلهم للحديث في هذه المسائل . واتجاه آخر يقوم به أساتذة من المصريين يحوم حول الأدب ولا يقربه .



فكتب مقالاً بالجريدة يتساءل عن موقف الجامعة من الأدب العربي ، وكيف أهملت تدريسه على الوجه المنشود ، وأوضح أنّه لم ير في الاتجاهين اللذين أشرت إليهما ما يؤدي رسالة ما نحو الأدب العربي وتاريخه .



وأوضح أنّ لتاريخ الأدب العربي بالجامعة معنى خاصّاً في ذهن الرافعي ، جعل يفتقده فيما يقرأ ويسمع فلا يجده ، فكتب مقاله لينبّه القائمين على الجامعة إلى أن الأدب العربي بها في حاجة إلى منهج ، وإلى كتاب يطبّق هذا المنهج ، وإلى أستاذ يشرح الكتاب .



وكان لكلمة الرافعي صداها القوي لدى الجامعة ؛ فقد أعلنت عن جائزة ماليّة قدرها مائة جنيه تمنح لمن يؤلّف كتاباً في تاريخ الأدب العربي ، وحددت مدّة لإنجاز التأليف قدرها سبعة أشهر ، وما قرأ الرافعي الإعلان حتّى أحس أنّه مطالب بالتنفيذ الفوري ، ولكنّه كتب يعترض على قيمة الجائزة وعلى مدّة التأليف ، وما كانت قيمة الجائزة مما يشغل الرافعي بالدرجة الأولى ، وإنما كان يشغله كل الشغل هو ما يعبّر عنه في مقال تال لمقاله الأول قال فيه : " إنهم في الأغلب سيعهدون بتدريس الكتاب لغير مؤلّفه فيكون الحاضر لديهم كالغائب عنهم ، ولا فضل لديهم إلاّ أنها تصدر التلقين ، فإذا طبع الكتاب صارت كل مكتبة في حكم الجامعة ، لأن العلم هو الكتاب لا الذي يلقيه ، وإلاّ فما بالهم لا يعهدون بالتأليف لمن سيعهدون إليه بالتدريس ؟ وهل يقتصرون على أن من كفاية الأستاذ القدرة على إلقاء درسه دون القدرة على استنباط الدرس ، واستجماع مادته حتّى لا يزيد على أن يكون هو بين تلاميذه التلميذ الكبير ؟ "



هذا الهجوم من الرافعي على الأساتذة ، وفيهم ذوو القدر الجهير من أمثال حفني ناصف ، ومحمد المهدي ، وأحمد زكي ، لم يكن يدري مغبّته حين كتب نقده المهاجم ، ولعلّ ذلك ما حدا به أن يتقهقر عن تقديم الكتاب بعد طبعه إلى الجامعة ، مع شيء آخر هو أنّ كتاب الأستاذ جورجي زيدان قد ظهر . وكانت الجامعة قد استجابت لكلمته فجلعت مدّة التأليف سنتين كاملتين ، ورفعت الجائزة إلى مائتين ، ومع ذلك فقد آثر الرافعي أن ينسحب .











جولة في فصول الكتاب







لقد خرج الكتاب إلى حيّز الوجود ، ولاقى نصيبه من الترحيب والنقد معاً



التمهيد



وقد جاء التمهيد الأول في فصلين ؛يتحدّث الفصل الأول عن الأدب وتاريخ إطلاق هذا اللفظ عليه ، وعن المؤدبين والمعلمين وعن علوم الأدب وكتبه ، ويتحدّث الفصل الثاني عن العرب وأقسام العربية ، والشعوب الساميّة وطبقات العرب من بائدة وقحطانية وإسماعيليّة وأصل كلمة العرب







ما بعد التمهيد







أما ما بعد التمهيد ، وهو الباب الأول فقد امتد به الحديث إلى فقه اللغة لا إلى ألأدب ، وأقول امتد لأنّه شمل ما بين صفحة 55 إلى صفحة 269 من الطبعة الرابعة ذات الحرف الدقيق .



أما الأبواب التالية فهي في صميم تاريخ الأدب العربي ، وبها نال الكتاب تقديره الحافل ؛ إذ تحدّث عن الرواية والرواة بادئاً بتوسّع العرب في الحفظ مقارنة باليونان ، ومسجّلاً تفوّق الجاهليين في الرواية الشعرية ، إذ كان الشاعر لسان قومه ومدون مفاخرهم ، فهم أحرص الناس على ترديد ما يقول .



أما ما كتبه الرافعي عن الرواية بعد الإسلام فمن أنفس ما كتب عن الرواية في القديم والحديث ، وأكثر من جاء بعده ممن خاضوا في تاريخ الرواية الشعريّة عيال على ما كتب ، وقد كان تاريخ الحديث في تدوينه المتسلسل كالمجهول ؛ لأن كتب الأدب القديمة تجمع عن روايات تتناقض في كثير منها ، وتحتاج إلى قاص ، ففتح الله على الرافعي بما كان مدداً لمن تلاه .



وإذا كان الإسناد في الحديث مما اشتهر فإن الإسناد في الأدب كان يتطلّب معالجة كاشفة بدأها المؤلّف بالفرق الواضح ما بين الإسناد في رواية الحديث والإسناد في رواية الأدب .











ثناء طه حسين على كتاب الرافعي







وقد تحّدث الدكتور طه حسين في الأدب الجاهلي (1)عن جهد الرافعي في تحقيق الوضع في الشعر والقصّة فقال : " وهذا الفن الأدبي تناول الحياة العربية والإسلامية كلها من ناحية خياليّة لم يقدرها الذين درسوا تاريخ الآداب العربية قدرها ، لا أكاد أستثني منهم إلاّ الأستاذ مصطفى صادق الرافعي ، فهو قد فطن لما يمكن أن يكون من تأثير القصص في نحل الشعر وإضافة القدماء ، كما فطن لأشياء أخرى قيّمة وأحاط بها إحاطة حسنة في الجزء الأول من كتابه ( تاريخ آداب العرب ) .



تعقيب الرافعي



" نشكر له ما تفضّل به من الثناء علينا في كتابه واستثنائه إيانا في بعض المعاني من كل من درسوا تاريخ الآداب العربية ، ونحن دون هذا في أنفسنا ، ودون ما أبلغنا إياه مع بعض أصدقائنا ، وإن كنا نعرف من صنيع الأستاذ الفاضل أنه لا ينصفنا مرة إلا بعد أن يظلمنا مراراً ، وأنه اتخذ الوقيعة فينا مذهباً عرف به وغلب عليه حتى لا يكاد يقول أنصار القديم أو يكتب أنصار القديم إلا توجه ذلك عنده إلينا خالصاً دون المؤمنين".











إنكار الرافعي لتقسيم الأدب على نسق العصور السياسية







ومن أسبق ما جاء به الرافعي في تاريخ الأدب أنه أنكر ما عرف من التاريخ الأدبي وفق العصور السياسية .



قال (الرافعي):" إن تلك العصور إذا صلحت أن تكون أجزاء للحضارة العربية التي هي مجموعة الصور الزمنية لضروب الاجتماع وأشكاله ، فلا تصلح أن تكون أبوابا لتاريخ آداب اللغة التي بلغت بالقرآن الكريم مبلغ الإعجاز على الدهر ، ولم تكد تطوي عصرها الأول حتى كان القرآن أول سطر كتب لها في صفحة العصر الثاني شهادة الخلود ، وما بعد أسباب الخلود من كمال".



ثم قال :" فتاريخ الآداب في كل أمة ينبغي أن يكون مفصلا على حوادثها الأدبية ؛ لأنها مفاصل عصوره المعنوية ، والشأن في هذه الحوادث التي يقسم عليها التاريخ أن يكون مما يحدث تغيراً معقولاً في شكله ، وأن يلحق بمادته تنوعاً خاصاً بنوع كل حادثة منها ، فإن لم تكن كذلك لم يكن التاريخ متجدداً إلا باعتباره الزمني ، وهذا ليس بشيء ".











الجزء الثاني







فإذا تركنا الجزء الأول من تاريخ الآداب إلى الجزء الثاني فإننا نجده خاصاً بإعجاز القرآن والبلاغة النبوية ، أفاض الرافعي في هذا الجزء في تحليل البيان القرآني والإبداع النبوي بما فتح الله عليه به من الإلهام المؤمن ، وصنيعه هذا يؤكد اهتمامه بالنص العربي الأول للبيان الرفيع في المكتبة العربية ، لأن أكثر مؤرخي الأدب من قبله ومن بعده يجملون الحديث عن القرآن والحديث في صفحات مبتورة ، وكأنهما ليسا أكبر نتاج حافل في العربية ، وقد يجيء الحديث عن شاعر كـ جرير أو الأخطل في حيز متسع أكثر مما ظفر به هذان الأثران الجهيران ، فأراد الرافعي بإفرادهما في جزء مستقل أن ينبه على أثرهما القوي في الفكر الإسلامي بعامة ، وفي البيان العربي بخاصة ، وقد نشر الجزء الثاني أولاً تحت عنوان ( تاريخ آداب العرب ) ثم بداله بعد سبعة عشر عاماً من ظهور الجزء الثاني ، أن يفرد الحديث عن القرآن والسنة في كتاب مستقل تحت عنوان (إعجاز القرآن والبلاغة العربية ) فلاقى الكتاب في عنوانه الجديد تجاوباً بعيداً من القراء ، حيث تعددت طبعاته ، وقال عنه الزعيم سعد زغلول:" كأنه تنزيل من التنزيل أو قبس من الذكر الحكيم" .







المجلد الضائع







بقي أن أتحدث عن الجزء الثالث من (تاريخ آداب العرب) ، وهو جزء مظلوم لا ندري كيف نحكم عليه ، فإن الرافعي – رحمه الله – وضع خطته في الجزء الأول ، ثم انتقل إلى رحمة الله دون أن يظهر إلى حيز الوجود ، وبحث تلميذه الوفي الأستاذ محمد سعيد العريان في مكتبة الرافعي بعد وفاته ، فوجد ملفاً كبيراً كتب عليه ( الجزء الثالث ) ولكنه حين تصفحه لم يجد منه غير عدة فصول لا تكمل المنهج الذي حدده الرافعي في مقدمة الجزء الأول ، فأين ذهب ما بقي ؟ هل كتبه الرافعي وضاع ؟ هذا احتمال بعيد ، لأن الذي جمع فصول الكتاب في حيز واحد لا يجمع فصولاً ويترك فصولاً ؟ إنما المعقول أن يجمع كل ما كتب ما دام هو الذي جمع وأغلق الملف على وضعه المستقر ، ولكن النقص جاء من طريقة التأليف ، حيث لا يلتزم الباحث أن يكتب الموضوعات وفق تسلسلها الثابت في ذهنه ، بل يكتب فيها ما تتوافر مراجعه لديه ، وأذكر أن الأستاذ الكبير عباس محمود العقاد في كتابه ( حياة قلم ) قد أشار إلى طريقته في التأليف ، فقال : ما ملخصه " إنه يبدأ فيحدد غرض الكتاب ، ويكتب فهرساً خاصاً بالأبواب ، ويحضر ملفات بعدد الفهارس ، ثم يكتب ما يتاح له الحديث عنه لتوافر مصادره سواء كان على اطراد الفهرس أو على غير اطراده .



فإذا انتهى من موضوع انتقل إلى غيره مما تتهيأ مصادره ، تاركاً ما بعدت مصادره حتى يجيء وقتها فيفرغ للبحث عنها ، ويكتبها ، هذا ما ذكره الأستاذ العقاد ، وما أظن الأستاذ الرافعي قد خالف هذا الاتجاه ، لأنه الأمر الفطري الذي يندفع إليه المؤلف تلقائياً ، حيث يبدأ بالأسهل فالسهل فالصعب فالأصعب ، وقد جربت ذلك في بعض ما ألفت ، إذن فالأبواب الناقصة لم تكتب ، ثم لم يجد الرافعي فرصة من أعماله الأدبية الأخرى كي يعكف على إتمامها ، لأنه كان مشغولاً بالكتابة الوجدانية في سلسلته المعروفة ، أو بالمقالة الصحفية نقداً ، وهجوماً ودفاعاً ، أو بالقصة الدينية التي احتلت أكرم مكان من نتاجه الرفيع .



موضوعات المجلّد المفقود



قد رجعت إلى مقدمة الجزء الأول فوجدته حدد موضوعات الجزء الثالث كما يلي: (1) تاريخ الخطابة والأمثال جاهلية وإسلاماً ، (2) تاريخ الشعر العربي ومذهبه والفنون المستحدثة ، (3) في حقيقة القصائد والمعلقات ، ودرس شعرائها ، (4) في أطوار الأدب العربي وتقلب العصور به ، (5) تاريخ أدب الأندلس إلى سقوطها ومصرع العربية بها ، (6) تاريخ الكتابة وفنونها وأساليبها ورؤساء الكتاب ، (7) حركة العقل العربي وتاريخ العلوم وأصناف الآداب جاهلية وإسلاماً، (8) في التأليف وتاريخه عند العرب ونوادر الكتب العربية ، (9) في الصناعات اللفظية التي أولع بها المتأخرون في النظم والنثر ، وتاريخ أنواعها ، (10) في الطبقات وشيء من الموازنات .



هذا ما حدده المؤلف في مقدمة الجزء الأول خاصاً بالجزء الثالث ، وبمراجعة ما عثر عليه الأستاذ محمد سعيد العريان وقدمه للطبع فعلاً ، نجد أنه لم يتحدث عن تاريخ الخطابة والأمثال جاهلية وإسلاماً ، ولا أدري كيف أغفله الرافعي ، لأن مراجعه ميسورة ، ولا يحتاج إلى جهد كبير ، كماً أو كيفاً ، وقد كتب الكاتبون في هذا الموضوع بعد الرافعي فوفوا المقام في صفحات لا تعدو في حجمها العددي باباً من الأبواب التي كتبها الرافعي في الجزء الثالث ، كذلك لم يتحدث عن تاريخ الكتابة وفنونها وأساليبها ورؤساء الكتاب وما يجري هذا المجرى ، وأنا أكاد أجزم بأن الرافعي لم يكتب هذا الباب ، لأنه يحتاج إلى مجلد ذي أجزاء فتاريخ الكتابة أموية وعباسية وأندلسية وفاطمية ومملوكية حتى هذا العصر لا يمكن أن يجيء في فصل واحد ، وكان الرافعي لحظ ذلك فتركه حتى يتهيأ الوقت لأدائه على وجهه الصحيح ، وكذلك نقول فيما تركه الرافعي من الحديث عن حركة العقل العربي وتاريخ العلوم من شرعية ولسانية وتجريبية وتاريخية وفلسفية واجتماعية إلى آخر ما يندرج تحت مادة العلوم لا يقوم به فصل من كتاب مهما توخى صاحبة الإيجاز ، حتى ولو سلك مسلك كتب المدارس الثانوية في اختصارها الشديد ، وما هكذا الرافعي ذو القول الزاخر كالعباب ، أما باب الطبقات وشيء من الموازنات فيمكن أن يضغطه فصل من فصول الرافعي ، ذات اللمح والإيماء أو ذات التشريح والتحليل !



أمور سبق فيها الرافعي غيره







وإذا كنت قد أشرت إلى الفصول التي دونها الرافعي في الجزء الثالث فلا يفوتني أن أشير إلى سبقه الظافر فيما كتب عن أولية الشعر . وعن السبب في قلة الشاعرات ،وعن الموشح بالذات لأنه أول من فصل القول فيه من المحدثين إذ تولى القول فيه على هديه مع إيجازه السريع ، وقد وقفت طويلاًُ عند باب حقيقة القصائد المعلقات ودرس شعرائها ، حيث لم يتعرض لغير ثلاثة من السبعة المشهورين ، إذ قصر حديثه على امرئ القيس وطرفة بن العبد وزهير ، مع أنه تحدث في المقدمة عن السبع الطوال ، فهل اكتفى بهؤلاء الثلاثة وترك أمثال عنترة ولبيد وابن كلثوم والحارث ! وهم يندرجون تحت الباب ! أكبر الظن أنه تحدث عنهم ، وضاع ما كتب وإلا لكان من الواجب أن يبين لماذا ترك الحديث عنهم مع اكتفائه بسواهم ، فيكون القارئ على علم بما يدع ويأخذ ، دون حيرة في التعليل ، وما قلته عن سبق الرافعي في وصف الموشح أقوله عما كتبه عن الأدب الأندلسي ، فقد كان أسبق المعاصرين جميعاً في الحديث عنه بهذا التدفق المستطاب ، وقد ختم الجزء الثالث بفصلين جيدين عن كتب الشعر والمختارات وعن الصناعات اللفظية التي أولع بها المتأخرون ، وكأن هذا الفصل الأخير في كتب البلاغة لا في كتب الأدب ، لأنه يبحث عن شؤون من علم البديع ، وهي شؤون قليلة الجدوى كما أزعم .



هذه إلمامة بكتاب " تاريخ آداب العرب " أرجو أن أكون قد بلغت بها بعض ما أريد .
محمد رجب البيومي
 
 
 
 
 
 

ليست هناك تعليقات:

المشاركات الشائعة

إخترتنا لكم