عُدنا والعودُ أحمدُ ... الرجاء من زوارنا الكرام تزويدنا بالوصلات التي لاتعمل

جديد مدونتنا

إبــحــث عن كتــــاب

الاثنين، 30 مايو، 2011

الإنسان ذو البعد الواحد










قراءة في كتاب الإنسان ذو البعد الواحد لهربرت ماركيوز :من القمع السافر إلى الهيمنة

1. تمهيد

2. تقويض أسـس النقد في المجتمع المعاصر.

3. رقابة محكمة و حرية زائفة .

4. امتصاص المعارضة في العالم السياسي .

5. الاستلاب .

6. انحطاط الثقافة .

7. البنية النفسية للإنسان في ظل الهيمنة .

8. لغة الإنشاء المغلق و احتضار الفلسفة .

9. دور الفلسفة في العالم المعاصر .

10. آفاق التغيير .

11. الانتقادات الموجهة لماركيوز و تقييم إجمالي .


1. هربرت ماركيوز Herbert Marcuse ( 1898 - 1979 ) :

ولد ماركيوز في برلين ، و درس في كل من جامعة برلين و حصل على الدكتوراه من جامعة فرايبورغ تحت إشراف هيدجر ، عمل في معهد البحث الاجتماعي في فرانكفورت حتى عام 1933 حيث تم إغلاق المعهد لدى تسلم النازية الحكم في ألمانية .و اضطر ماركيوز لمغادرة ألمانية هرباً من البطش النازي إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث انضم إلى معهد البحث الاجتماعي في جامعة كولومبيا عام 1934، و خلال الأربعينات عمل مع العديد من المؤسسات الثقافية الحكومية في أمريكة ، و درَّس في العديد من الجامعات الأمريكية بنجاح منذ عام 1950 : هارفارد ، كولومبيا ، كاليفورنيا ،برانديس.

حلل ماركيوز المجتمع الرأسمالي - متأثراً بمشاهداته للمجتمع الأمريكي - محاولاً استكشاف الحلقة الجديدة في استغلال الإنسان ، فأسس لمفهوم الهيمنة لتوضيح كيفية استعباد الإنسان في مجتمع التقنية و العقلانية الأداتية ، حيث الإنسان مستلب لصالح فيض إنتاجي استهلاكي ( ماركس ) و مستعبد من قبل لاشعور( فرويد ) ذاخر بأمراض مجتمع التقنية الأداتي ، فركز ماركيوز تحليله على النسق الثقافي و الإعلامي لتوضيح كيفية السيطرة على الإنسان بحيث تغدو الديمقراطية قمعاً مموهاً .

و حاول تقديم تصوراته عن سبل تجاوز هذا المجتمع القمعي في سبيل تأسيس حضارة لا قمعية يصبح الإنسان محورها و هدفها.

و نظراً لكون القمع و الاستلاب و الاستغلال ما تزال أموراً حاضرة حتى الآن في مجمل النظام العالمي الجديد كآليات منظومية – بمركزه و أطرافه - نستعيد كتاباً يعد من أمهات الكتب في نقد ديمقراطية النظام الرأسمالي، و هو الإنسان ذو البعد الواحد لهربرت ماركيوز .


2. تقويض أسـس النقد في المجتمع المعاصر:

يشرح ماركيوز أسباب انكفاء النقد وتخدره في المجتمع التقني الرأسمالي ، و يبني رؤيته دوماً على أساس تحليل نقدي مقارن مع الرأسمالية الصاعدة في ظل ثورة صناعية ، و هذا ما فهمه الكثيرون نوعاً من الحنين إلى الرأسمالية الأولى إلى الحداثة الأولى يلقي بظلاله على نظرية ماركيوز النقدية بأسرها ، لذا نـشير إلى أن هذا الأمر يجب أن يُفهَم كسياق إنساني يحن لتجربة اختـزنتها الذاكرة الأوربية لا كمحاولة لـشد المجتمع إلى الخلف كما ذكر هابرماس Habermasفي نقده لتـشاؤمية مدرسة فرانكفورت ، أيضاً من وجهة نظر أخرى يمكن أن نـنظر للأمر من وجهة نظر الماركسية الكلاسيكية التي تجاوزها ماركيوز لكنها تبقى بشكل أو بآخر خلفية إيديولوجية له ، و لو بمعنى المرشد العام ، و من هنا يمكن أن نعتبر أن المقارنة مع الرأسمالية الأولى تعود لكونها رأسمالية صاعدة حملت إمكانيات جديدة لتحرير الإنسان لكنها ما لبـثت أن أصبحت عائقاً في وجه هذا التحرير .

يرسم ماركيوز صورة المجتمع المعاصر : إن مجتمعنا المعاصر مجتمع عسكري تترسخ في ظله سيطرة الإنسان على الطبيعة ، و هذا ما يحل ظاهرياً الكثير من المشكلات ، فتقوم وسائل الاتصال الجماهيري بتحويل المصالح السياسية الخاصة بفئة معينة أو طبقة معينة لمصالح عامة للمجتمع ككل ، و باعتبار أن المجتمع المعاصر يمتلك طاقات هائلة فكرية و معنوية ، فقد وصلت الهيمنة على البشر إلى درجة عالية مقارنة بالأمس ، حيث أن التكنولوجية قد أصبحت بديلاً عن العنف لتحقيق التلاحم الاجتماعي و امتصاص الأزمات عبر حركة مزدوجة : انتظام ساحق لغالبية البشر ضمن سير النظام الاجتماعي العام من جهة و تحسن مستمر في مستوى المعيشة ، و لكن رغم ذلك يبقى للنقد أساس موضوعي قائم في بحث السبل الكفيلة باستخدام موارد المجتمع لتحسين شروط الوجود الإنساني ، و لهذا النقد معايير ، من أهمها التزامه بأحكام القيمة فمهما تطورت وسائل تنظيم المجتمع يجب مقارنتها بوسائل أفضل ، طبعاً دوماً في ظل الموضوعية التاريخية ، و هـذا ما يطرح الأمر في مستويين :

[[1 – الإقرار بأن الحياة البشرية جديرة بأن تُعاش ، و اتـخاذ هذا الحكم أساساً لكل مجهود فكري و مـنطلقاً لكل نظرية اجتماعية .

2 – الانطلاق من أنه لكل مجتمع إمكانات نوعية لتحسين نوعية الحياة البشرية ، و وسائل لتحقيق هذه الإمكانية ]] .

كما لا بد للتحليل النقدي الاجتماعي أن يبني موضوعية أحكامه استـناداً إلى أسس اختبارية تستند للوقائع ، و في نفس الوقت لا بد له من التجريد و التعالي على الوقائع ، إذْ أن [[ بنية النظرية الاجتماعية هي تحليل متعالي على الوقائع ، أي أنها تحليل اختباري و نقدي يتجاوز عالم الكلام و العمل القائم في مجتمع ما نحو إمكانياته التاريخية الواقعية]] .

و لكن في ظل المجتمع الصناعي المعاصر فإن أسس النقد يتم تقويضها ، من خلال تكريس منظومة كاملة للسيطرة و الهيمنة قوامها التقنية ، حيث يتم إزالة الفوارق بين القوى المتناقضة في المجتمع ، كما يبدو من خلال طرح المسائل على المستوى القومي كمصالح مشتركة بين الطبقات بينما هي في حقيقتها مصالح فئة معينة من الناس ، و كذلك التواطؤ بين الطبقة العاملة و رأس المال ، و الأمثلة كثيرة عن المتـناقصات و المتعارضات التي جرى التوفيق بينها .

يعود ماركيوز إلى المجتمع الصناعي الأول ليشرح فكرته ، ففي ذاك المجتمع كان النقد حقيقياً يتخذ موقعاً متوسطاً بين [[ النظرية و الممارسة ، و بين القيم و الوقائع ، و بين الحاجات و الوقائع ]] ، و كان الدور التاريخي المنوط بالنظرية إنشاء الحلول التاريخية البديلة للمجتمع الصناعي الماثل آنذاك ، و هذا ما وعته طبقتا البورجوازية و البروليتاريا و مارستاه سياسياً و هما الخصمان اللدودان ، و لكن في ظل المجتمع التقني المعاصر تم التوفيق بين الطبقتين ، و لم يتبقى للنقد وظيفة طالما كل الفكر يتجه إلى الحفاظ على المؤسسات القائمة بل وتدعيمها ، و اختفت فكرة التغير النوعي من الأدبيات المعاصرة لتحل محلها فكرة التطور غير الانفجاري لذا [[ انكفئ النقد على نفسه في قوقعة التجريد ]] .

و لكن مع ذلك فثمة أسس تجعل للتحليل النقدي وظيفة ماثلة ، فنمو الإنتاجية في مجتمع الرفاه الحالي مترافق مع نمو وسائل التدمير ، و الغنى يواكب البؤس و بعبارة أخرى أعم [[ إن عقلانية المجتمع المعاصر هي في جوهرها لا عقلانية ]] ، و من هنا يجب البحث عن سبل للانتقال بالوعي البشري من حالة الوعي الزائف إلى الوعي الحقيقي الذي يعي مصلحته الحقيقية .

إن الخلل الذي أصاب بنية النظرية ماثل في تشويه مقولات النظرية الاجتماعية الأساسية ، و لشرح وجهة نظره هذه يعود ماركيوز مرة أخرى إلى المجتمع الرأسمالي المبكر ، فمقولة الدولة كانت تفهم بوصفها نقيضاً للمجتمع تعبر عن التـناقض بين السياسي و الاجتماعي ، و كذلك مصطلحات الفرد - الطبقة – الخاص – العام كلها كانت [[ تحدد دوائر قوى لم تندمج بعد بالبُنى القائمة ]] كانت تعبر عن تناقض ، أما اليوم في ظل المجتمع التقني فقد فُرِّغت هذه المقولات من محتواها النقدي ، و تم تحويلها إلى مصطلحات وصفية مخيبة .

و في المجتمع التقني ينحو الإنتاج منحى الكلية ليحدد الحاجات الفردية و نشاطات الحياة الاجتماعية ، فتزول الحدود بين عالم الحياة الخاص و العام ، و تندمج الحاجات الفردية بالحاجات الاجتماعية ، هذه الكلية ( التوتاليتارية ) سمة مشتركة بين أنظمة أوربة الشرقية و الأنظمة الرأسمالية .

إن المجتمع التقني الصناعي المعاصر أخضع عالم الاقتصاد و السياسة و الثقافة كلها لخدمة مشروعه الهادف لتحويل الطبيعة ، لقد هيمن العقل الأداتي على كل مناحي الحياة ، فالمجتمع المعاصر مجتمع لا عقلاني لأنه يسلب و يدمر السمتين الأساسيتين للحياة البشرية :

قدرة الإنسان على اتخاذ القرارات ، القدرة على تحويل بيئته .

3. رقابة محكمة و حرية زائفة :

يرسم ماركيوز ما يشبه ثالوثاً مقدساً ملازماً للحضارة الصناعية التكنولوجية : ( الرفاه – الفعـالية – افتقاد الحرية في إطار ديمقراطي ) .

لعل أبرز مظاهر فقدان الحرية هي إلغاء الفردية عبر الإفراط في تقسيم العمل ، و تدمير المشروع الصغير أمام التضخم اللا متناهي لرؤوس الأموال الكبيرة ، و هذا الأمر يجري في ظل نظام قومي للاستثمار يعيق استغلالاً أممياً أضخم للموارد ، و طبعاً مثل هذا النظام الاقتصادي يستدعي نسقاً سياسياً – فكرياً يسنده .

في المجتمع الصناعي الأول كانت حرية الفكر و الكلام و الضمير مكفولة أما الآن فقد فقدت الحرية مضمونها الأصلي ، و على الرغم من أن التطورات التكنولوجية اللا متناهية يمكن أن تفسح المجال نظرياً أمام تحرير الفرد من الحاجات و المشاريع الاستلابية ، عبر تـنظيم الجهاز الإنتاجي بطريقة تلبي الحاجات الحيوية ، إلا أن ما يجري على أرض الواقع مختلف تماماً ، إن المجتمع الصناعي التكنولوجي المعاصر ذو نزعة كلية استبدادية سياسياً و اقتصادياً ، يحقق تحكمه عبر تصوير بعض المصالح الخاصة لفئة معينة كما لو أنها مصلحة عامة ، و الإشكالية هنا أن القمع السياسي لا يتم بالطريقة البدائية السافرة إنما يتم عبر نظام نوعي للإنتاج و التوزيع مترافق مع تعددية حزبية و صحافة حرة و فصل للسلطات مما يموِّه العملية ، و يجعل الاستبداد ذا عباءة ديمقراطية .

إن حـكومات المجتمعات الصناعية تحافظ على شرعيتها وفقاً للوصية الهيغلية بإظهار نفسها كشيء فوق لمـجتمع و فوق الأحزابو الأفراد و الجماعات و الطبقات باعتبارها تعبر عن مصلحة عامة تسمو على المصالح الخاصة عبر تنظيم عقلاني للمجتمع قوامه التكنولوجية .

و في ظل هذا الواقع فقدت المصطلحات التقليدية للحرية الاقتصادية و الفكرية و السياسية محتواها التقليدي مكتسبةً محتوى أعمق في ظل المجتمع الصناعي المعاصر : [[ فالحرية الاقتصادية تعني تحرير الاقتصاد من إكراه القوي و تحرير الإنسان من النضال اليومي في سبيل كسب حياته ، و الحرية السياسية تعني تحرر الأفراد من السياسة التي لهم عليها رقابة فعلية ، و الحرية الفكرية تعني تحرر الفرد من التكييف المذهبي الذي تمارسه وسائل الاتصال الجماهيري و صُنّاع الرأي العام ]] .

و حتى نفهم كيف تتم الهيمنة و الرقابة على الأفراد حتى لا يخرجوا عن الإطار المرسوم لهم لضمان سير النظام على أكمل وجه ، يجب التمييز بين حاجات حقيقية و حاجات كاذبة ، فالحاجات الكاذبة هي الحاجات التي تفرضها مصالح اجتماعية معينة لتبرير العدوان و الظلم ، و هي تحقق شعوراً بالسعادة لكنه شعور زائف كونه يمنع الفرد من إدراك الشقاء العام ، و بعبارة أخرى [[ تجعله يرى الرفاه في الشقاء ]] .

مثل هذه الحاجات نجدها في اللهاث نحو الاستهلاك حسب مخطط ترسمه ماكينة الدعاية ، و الحاجات الجنسية التي يتم التفنن بابتداع أساليب جديدة لها و هذا ما يفسر ضروب الجرائم الجنسية و الشذوذات في مجتمع يتبجح بالحرية الجنسية ، و المشكلة الأكبر تكمن في أن هذه الحاجات قد تحولت من حاجات خارجية مفروضة إلى حاجات داخلية يبحث عنها الفرد ، إنها حاجات قمعية كونها تـشوه الحاجات الحقيقية و تحل محلها ، ..... و هنا لا ينسى ماركيوز كماركسي أن يوضح أن الحاجات الحقيقية الأساسية و التي لا تقبل النقاش هي الحاجات الحيوية ( الملبس – الطعام – الشراب – المسكن ) و هي الشرط الأول الذي لا يمكن بدونه تلبية باقي الحاجات ، و كذلك يشير إلى أن الحاجات تاريخية تتطور بتطور المجتمعات فالحاجات زمكانية .

إن هذه العملية تجعلنا ندرك زيف الحرية الملازمة للمجتمع المعاصر ، فدوماً هناك حاجات ملّباة لكنها حاجات مخلوقة من خارج الإنسان مفروضة عليه ، و هذه العملية تدور بدون توقف ، و إلا فما معنى حرية مزاحمة الأسعار طالما أن الأسعار محددة سلفاً غرضها تحقيق ربح الرأسمالي و ليس راحة المستهلك ؟ و ما معنى حرية الصحافة في ظل صحافة مراقبة سلفاً عبر رأي عام اجتماعي و مصادر تمويل توجهها لأغراض محددة ؟ و ما معنى الاختيار بين سلع متعددة طالما أن أصنافها تحددها الشركات ؟ .... و ما معنى الاختيار بين برامج لأحزاب من حيث المضمون الفعلي تحقق نفس المصالح ؟ ...

إنها حرية زائفة لا تحمل من الحرية سوى الاسم [[ فالحرية الإنسانية لا تقاس تبعاً للاختيار المتاح للفرد إنما العامل الحاسم الوحيد في تحديدها هو ما يستطيع الفرد اختياره و ما يختاره ، فقدرة المرء على اختيار سادته بحرية لا تلغي حقيقة وجود السادة و وجود العبيد ]] .

4. امتصاص المعارضة في العالم السياسي :

تم في ظل المجتمع الصناعي المعاصر القضاء على القلائل و عناصر التوتر ، وذلك يجري بتعبئة كل الموارد في ظل تركيب إنتاجي قوامه الرفاه و مجتمع الحرب .

أما الملامح المميزة لهذا المجتمع فهي : ( حماية مصالح رأس المال الكبير ، الطابع القومي للاقتصاد ، تنامي دور الرقابة الحكومية ) ، طبعاً يكون الاقتصاد القومي حلقة في سلسلة نظام عالمي من التحالفات العسكرية و الاتفاقات النقدية و التكتلات الاقتصادية .

ينعكس هذا الأمر على الصعيد السياسي ، لنشهد زوال الفوارق بين القوى السياسية ، و إرساء نظام الحزبين الرئيسيين في وجه الخطر الخارجي الشيوعي ، مع انعدام التمايزات الجوهرية بين برامجهما السياسية ، و في نفس الوقت يجري تقارب غريب بين القوى المتناقضة بالأمس القريب ، و هذا ما يتبدّى بشكل خاص من خلال تواطؤ النقابات مع رأس المال الخاص ، و بالنسبة لأحزاب اليسار الراديكالي فلنا في الحزبين الشيوعي الفرنسي و الإيطالي مثال على حزبين يؤديان دور ممثل مسرحي في المسرح السياسي الحديث هذا الدور المسند إليهما هو دور القوى التي لم تُجذِّر معارضتها للنظام ، و هذا يقودنا للقول أن الفرق بين المصالح المتعارضة غدا كمياً و ليس كيفياً ، و بات النظام الاجتماعي القائم موقع قداسة بات صنماً ، فبعد أن وصف ماركس المجتمعات الرأسمالية بأنها مجتمعات يرتفع فيها فوق الجميع صنم السلعة ، أصبح الصنم صنم النظام الاجتماعي العام بكل أنساقه السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية .

يقودنا ذلك للتساؤل عن مصير التغير الاجتماعي في ظل مجتمع حقق تلاحماً و تعاظماً في الإنتاج لضمان ارتفاع مستوى الحياة و نما عالمه الإداري بشكل كبير لهذا الغرض ، و كل ذلك موجه لمجابهة العدو الشيوعي .

للإجابة إلى التساؤل نعود إلى ماركس ، ..... كان ماركس قد تحدث عن قيام البروليتاريا بتدمير جهاز الدولة الرأسمالية ، و الاستفادة من التكنولوجية الرأسمالية ، و لكن بعد تشريكها ، و ذلك استناداً للتناقض بين القوى المنتجة و علاقات الإنتاج عند بلوغه حد الانفجار ...

هذه المقولة الكلاسيكية يمكن أن نسجل عليها عدة تغيرات طرأت في المجتمع المعاصر :

1 – كان البروليتاري بحسب ماركس شغيل يدوي يستهلك قوته الفيزيائية ، و كان بؤس العمل الفيزيائي هو العنصر المادي الملموس في عبودية العمال و استلابهم ، أما اليوم في ظل تعاظم دور الآلة و المكننة لمفاقمة الأرباح ، يحل التعب النفسي و الذهني محل التعب العضلي ، فعبودية اليوم [[ عبودية ، منهكة ، مبلِّدة لا إنسانية ]] ، و هذا الاستعباد لا يقتصر على العمال فقط بل يطال كافة الفئات ( ضارب الآلة الكاتبة ، المصرفي ، البائع ، المذيع التلفزيوني ) ، [[ فالنمطية الواحدة و الروتين يلغيان الفروق بين المهن المنتجة و غير المنتجة ]]

2 – تميل الوظائف للتجانس ، و يزداد عدد العمال غير المنتجين باستمرار ، و في ظل تعاظم دور الآلة يتزعزع التصور الماركسي الكلاسيكي عن التركيب العضوي لرأس المال و نظرية فضل القيمة ، فباتت الإنتاجية تتحدد عبر الآلة و ليس جهد العامل الفردي و مردوده الفردي .

هذا التغير يؤدي بدوره إلى تبدل في وعي الطبقة و تشكلها كطبقة و كينونتها كطبقة ، و هذا ما يتجلى في الاندماج الاجتماعي و الثقافي للطبقة العاملة في المجتمع الرأسمالي ، حيث أن التجانس في الحاجات و في مستوى الحياة و النشاطات و أوقات الفراغ و النشاطات السياسية بين العمال و باقي فئات المجتمع ناتج في جوهره عن الاندماج في صيرورة الإنتاج المادية داخل المصنع بالذات .

و بتعاظم التَأْليل ( تأليل من الآلة ) تزداد البطالة في صفوف العمال نتيجة عدم التكيف مع التقنية المتغيرة ، و يتعاظم دور التقنيين و الفنيين و المهندسين .

و لكن الظاهرة الأكثر خطراً هي اندماج الشغيل في المصنع ، حيث أن العمال أصبحوا حريصين على المشروع كما لو أنه ملك لهم فهم مشدودون إليه بروابط اجتماعية و مهنية و مادية ، إذْ أنه ضمانة حياتهم و كفيلهم في حالة العجز و المرض و الشيخوخة ، و بذلك لم تعد الطبقة العاملة نقيضاً و نفياً للمجتمع القائم و لم تعد مسيحاً مخلصاً كما كانت عند ماركس ....

و الإشكالية أن الهيمنة تأخذ لبوساً إدارياً في ظل الجهاز البيروقراطي لرأس المال و تعاظم دور الدولة القومية ، فبات الرأسمالي يرتدي طاقية الإخفاء ، مما يمنع العمال في حال تململهم و تذمرهم من شخصنة حقدهم تجاه مصدر استغلالهم ، فيبقى المجتمع في مجموعه جموعاً مستعبدة مستنفذة مستلبة دون أن تعي استلابها .

5. الاستلاب:

إن أكثر مظاهر المجتمع الصناعي إلحاحاً هي الطابع اللاعقلاني للعقلانية ، فهناك قدرة متعاظمة على الإنتاج ، و زيادة الرفاه و إضفاء الحاجة على ما هو زائد ، و في ظل هذا الوضع و بمقدار ما تحول الحضارة القائمة عالم الشيء إلى بعد للجسم و الروح الإنسانيين يصبح مفهوم الذات إشكالياً ، إن الناس يجدون ذاتهم في جهاز التلفزيون الحديث و السيارة الجديدة ، و هذا نابع من أن الرقابة الاجتماعية هي من يخلق الحاجات ، و تقدم نفسها على أنها تخدم مصالح عامة و هذا ما يجعل ممانعتها صعبة ، [[ حيث أن الأفراد يتوحدون مع الوجود المفروض عليهم و يجدون فيه تحقيقاً و تلبية ، و هذا التوحد ليس وهماً إنما واقع يمثـل مرحلة أكثر تقدماً من الاستلاب ]] .

و هذا ما يظهر في العالم النفسي للإنسان المعاصر ، فبعد أن كان هناك لا شعور فردي متميز عن الآراء العامة اختفى المجال الفردي الخاص للمرء ، فتوحد الفرد و المجتمع كمجموع ، إن هذا التوحد الآلي القطيعي و الذي يحوي كل المتنافرات و عوامل التفرق صفة ملازمة للحضارة الصناعية المعاصرة .

و في العلاقة بين الطبقة العاملة و الرأسماليين نجد الاستلاب قد أصبح مموّهاً بعد أن اندمجت الدولة القومية بعالم رأس المال ، ليصبح العمال عبيداً للجهاز التكنولوجي ، لكن عبوديتهم يحجبها الرفاه و الحرية الزائفة ، و تحول دون إدراك حقيقة أن الإنسان لا يمتلك [[ القرارات التي تتعلق بها الحياة و الموت و الأمان الشخصي و القومي ، إن عبيد الحضارة الصناعية عبيد متسامون ، و لكنهم يبقون عبيداً لأن العبودية لا تتحد بالطاعة و لا بقوة الكدح و إنما بالإنسان المحول إلى أداة إلى شيء ]] و حتى اللغة المنطوقة لم تعد لغة الإنسان إنما لغة سادته التي تبثها فيه الدعاية ، فالاستلاب الرأسمالي يمنح الإنسان شكلياً حرية قراراته الفكرية و المادية ، دون أن يتيح له الفرصة ليدرك أن اختياراته هذه زائفة يُوحى بها إليه من فوق من خارجه ليصبح أداة في خدمة مصلحة معينة لا تتعلق به و بإنسانيته ، و هذه العبودية تشمل كل فئات المجتمع و لا تقتصر على البروليتاريا ، إن الاستلاب الرأسمالي يحرم الإنسان من عنصر هام من بنيته الوجودية كإنسان و هي القدرة على اتخاذ القرارات .

و في ظل عملية التكييف المذهبي المحكمة لا يمكن للأفراد أن يدركوا حاجاتهم الحقيقية ، و حقيقة أنهم يعبرون عن حاجات لغيرهم مزروعة فيهم ، و هذا ما يجعل السؤال صعباً و إشكالياً : كيف يمكن للناس أن يخلقوا -_ في ظل نجاح شروط الهيمنة شروط _- شروط الحرية ؟

يجيب ماركيوز متشائماً : [[ كلما أصبحت إدارة المجتمع الاضطهادي عقلانية ، منتجة ، تقنية و شاملة ، تعذّر على الأفراد أكثر فأكثر تصور الوسائل الكفيلة بتحطيم أغلال عبوديتهم بوصولهم لحريتهم ، فكل تحرر ينطوي على ضرورة وعي العبودية ]]

6. انحطاط الثقافة:

إن الثقافة الرفيعة التي يرى فيها فرويد Freud جزءً من عملية التسامي عن الواقع ، و التي يعتبرها ماركيوز ضرورية لخلق عالم بديل ، قد وقعت حالياً في براثن الاتضاع ، نتيجة هيمنة العقلانية التكنولوجية .

فقد تدنّت الثقافة الرفيعة إلى ثقافة جماهيروية ، لا سيما بعد أن بات خبراء التقنية حُواةً يحلون كل المشاكل ، و بمتابعة وسائل الإعلام الجماهيري يمكننا رصد مظاهر الانحطاط أو الاتضاع الثقافي ، حيث يجري الخلط بين الدين و الفلسفة و التجارة و السياسة و الفلسفة و التجارة في خدمة شكل بضاعي ، و حتى موسيقى الروح المروّجة إعلامياً هي موسيقى تجارية ، [[ و كل عقلانية النظام القائم تركز على القيمة التبادلية ]] .

هذه القيمة التبادلية مسحت القيم الكبرى المحمّلة بالتسامي ، و بزوالها زال المثل الأعلى ، و هذا الزوال هو الملمح الأبرز لانحطاط الثقافة .

إذا ما عدنا إلى الثقافة الإقطاعية ، لوجدنا أن القيم المتسامية فيها كانت محمّلة دوماً بمثل أعلى ، هذه القيم خضعت لتحقيق وضعي في ظل الثقافة البورجوازية الحالية و لكن بعد أن مُسِخت ، فالفنان و العاهرة و الزانية و المجرم المحارب كلها كانت نماذج فنية احتجاجية تنفي النظام الإقطاعي و تفضح مثالبه ، أما الآن في فن و أدب المجتمع الصناعي فقد ظهرت بصورة المرأة الشهوانية و البطل القومي و الزعيم و النجم اللامع ، أي أنها لم تعد أشكالاً لنفي النظام القائم بل لتوكيده ، صحيح أنه من السذاجة التفكير بإحياء الثقافة الإقطاعية حالياً ، لكن يجب أن نشير إلى أن هذه الثقافة تتضمن عناصر ما بعد تكنولوجية ، حيث أنها ذاخرة بأناس لديهم الوقت ليفكروا و يتأملوا و يحسوا و يجدون وقتاً للذة

فما نريد قوله هنا أن كل ثقافة طليعية حالمة بمجتمع أفضل تحمل دوماً نزوعاً رومانسياً و نزوعاً للهدم، فالسريالية ثبتت هذا الاتجاه المحرّر و الهدام في العشرينات من القرن العشرين، حيث أن كل صورها تركز على بعد إنساني ضائع ، أو على حد تعبير أدورنو بأن السريالية بشطحها الخيالي : [[ تنقذ أشكالاً قديمة هرمة ، الغرائز الفطرية الطامحة للسعادة و المسلطة الضوء بالتالي على ما يضن به العلم التقني على الإنسان ]]

قد تغشي الأبصار عن هذا الاتضاع الثقافي مسألة انتشار الثقافة و جماهيريتها ، لكن هذه الغشاوة تزول إذا ما أدركنا أن انتشار الثقافة هنا لا يعبر عن ثقافة ديمقراطية شعبية ، بقدر ما يعبر عن الحط من الثقافة إلى بضائع و منتجات مألوفة لدى الجميع .

صحيح أن الهندسة المعمارية مثلاً حالياً تنتج نماذجاًَ أجمل من مسوخ العصر الفيكتوري و لكن هذه النماذج أكثر اندماجاً في الحياة اليومية ، فتجدها نفسها في المركز الحكومي و التجاري و المسرح ، و بذلك تكون قد فقدت عنصرها المتسامي ، فقدت وظيفة الخلق و الحلم .

فالحقيقة الأساسية هي [[ أن المجتمع التكنولوجي امتص مضامين الفن التـناحرية بتمثله إياها ]] ، فسابقاً كانت الثقافة و الفن تعبيراً عن تناقضات اجتماعية و نقيضاً لها و تمثيلاً [[ للضمير التَعِس في العالم المنقسم و الإخفاقات و الآمال غير المتحققة و الوعود المنكوث بها ، لقد كانا يكشفان عن قوة عقلانية و عرفانية و كانا يكشفان عن بعد للإنسان و الطبيعة يقمعه الواقع و يردعه ، و كانت حقيقتهما في الوهم الذي يوحيان به ، تلك هي معجزة الرائعة الأدبية أو الفنية ، إنها المأساة المكابدة حتى النهاية و هي في الوقت ذاته نهاية المأساة ]] .

لكن في ظل هيمنة التكنولوجية أُلغيت إمكانية الفن للانفصال عن الواقع ، و بهذا يكون جوهر الفن قد ألغي حيث [[ أن القطيعة مع الواقع الاجتماعي و المخالفة العقلانية أو السحرية سمة أساسية في الفن مهما يكن إيجابياً ]] ، فالفن يتمثل الواقع و يعيد خلقه فنياً.

و هذا الأمر نجده أكثر ما نجده في تسليع الفن ، فموسيقى باخ تستخدم كموسيقى ناعمة للمطبخ ، و مؤلفات أفلاطون و هيغل و بودلير و شيللر و ماركس و فرويد تباع في المخازن العامة ، فعلى الرغم من أن المجتمع المعاصر ألغى الشكل الأرستقراطي للثقافة باعتبارها ثقافة نخبة غنية مثقفة ( أي ثقافة مجتمع قمعي ) لكن ذلك لا يـعني أن هذا المجتمع هو مجتمع غير قمعي ، فهو حول الفن إلى فن أحادي البعد .

7. البنية النفسية للإنسان في ظل الهيمنة :

إن مبدأ الواقع الفرويدي يعني إطلاق النوازع اللا شعورية بعد إكسائها أشكال مقبولة اجتماعية لتحقيق مقبول للطاقة الليبيدية .

هذه التلبية اتخذت أشكالاً مشوهة مع المجتمع التكنولوجي و ضاق عالم الليبـيدو ، و لنا في المسألة الجنسية مثال قوي على ذلك ، فالتلبـية الجنسية الوضعية هي إشباع آني و إفراغ آني تطمح دوماً نحو الاندماج في الإيروسية باعتبارها مثلاً أعلى متسامياً دون الوصول الكامل لهذا الأمر ، و لكن بما أن كل شيء في المجتمع التكنولوجي يعني التلبـية الوضعية فما عادت من حدود فاصلة بين الإيروسية و الجنس ، لقد تم الخلط بين المفهومين ، و بذلك يؤدي التحرر الذي يحققه المجتمع المعاصر في الطاقات الليبـيدية إلى الانكماش في الحاجات الغريزية بدل أن يوسعها و يطورها إنه [[ اتضاع مؤسس ]] ، وهو بات عنصراً أساسياً من ثقافة الهيمنة و ثقافة البعد الواحد .

إن الحرية الجنسية تـشوه من خلال ربطها بالقيمة البضاعية ، فهي مربوطة بالملابس الرخيصة الثمن و الجذابة و الاهتمام بالتجميل و الصحة و كلها أمور باتت في متـناول الجميع ، و مستخدمات المكاتب هن من الفاتـنات و البائعات من الفاتـنات .... هذه كلها بضائع ذات قيمة تجارية ، و طبعاً كل هذا يتم بدعم من ماكينة إعلامية عملاقة .

إن الحضارة الصناعية لم تـقـتصر على السيطرة السـياسية و التكنولوجية على كل ما هو متسامي في الوجود البشري ، بل أيضاً امتدت السيطرة إلى ساحة الغرائز لتولد إنساناً يقبل الهيمنة .

إن غريزة الموت تـتعرض لتلاعب منهجي لتوظيفها بما يخدم النظام القائم ، و ذلك يتم عبر التلويح دوماً بالخطر الخارجي ، ليغدو هذا الخطر الخارجي أحد مكونات البنـية النفسية للإنسان لا سيما أنه يربط بمستلزمات دولة الرفاه ، و هذا الوضع محا الضمير التعس أو شخصية العصر العصابـية التي وصفها فرويد ، ليحل محلها ضمير مخدّر سعيد ، إن إنسان الحضارة الصناعية يتمرغ في رفاهه الزائف و حريص على دوامه دون أن يُعنى بمصادر الرفاه فهو غير معني باضطهاد شعوب العالم الثالث و إبـادتها ، حيث بات هذا الأمر يتم تحت ذرائع تـاريخية و مـدعوماً بمبررات علمية يقرّها العقل التـقني ، ليغدو التعذيب مسألة مقبولة و الحرب الاستعمارية على هامش العالم المتمدين مشروعة على اعتبار أنها تـقود لخراب عالم البرابرة و تصاعد دولة الرفاه التـقني العقلانية الحضارية .

8. لغة الإنشاء المغلق و احتضار الفلسفة :

إن اللغة المهيمنة في عالم الاتـصال و الإعلام لغة تعكس سلوكاً أحادي البعد ، إنها لغة عامية مبتـذلة حلّت محل لغة الفكر المُنـشِئ للمفاهيم ، و هي عموماً ذات صبغة وظيفية تـتم بالتساوق مع إطار عام يُربَط ضمنه كل شيء بوظيفته الوضعية ، و بذلك تم تـقويض أسس الفكر بتـهشيم عـموده الفقري ، و هو المفهوم باعتباره حروف أبجديته ، تم ذلك بعد أن انحطّت اللغة إلى مستوى عامي فكان أن سُلبت من المفهوم مادته ليتم اندماج المفهوم بالشيء ، و يُهدر الفكر النقدي المجرد .

إن هذه النزعة الوضعية الوظيفية مُحمّلة برفض صارخ لكل نزعة تاريخية ، هذا الرفض إنما يخشى أكثر ما يخشى استحضار الماضي وصولاً إلى الحاضر لأن هذا الأمر سيقود [[ إلى كشف الأسباب التي حددت طرائق العيش و أوجدت السادة و الخدم ]] .

و المسألة الأخطر التي يقود إليها نسف الفكر المجرد هي نسف الوعي العمومي الذي يدرك الشيء بكليـّته بمجمل علاقاته ، ليحل محله وعي مجزّأ ، هذا الوعي المجزئ قاصر عن الإحاطة بالشيء بكليّـته إنما يقـتصر طموحه على تحسين جزئيات و لا يصل إلى مطلب التغيـير الكلي ، أي تغيير مجمل النظام القائم .

هذا الأمر يقودنا لبحث دور الفلسفة في العالم المعاصر على اعتبارها إحدى أعلى حالات التجريد الفكري لنـتساءل عن العطب الذي أصابها .

إن الفلسفة من حيث الجوهر تعبـير عن تمزق أنطولوجي ( وجودي ) في عالم ثـنائي البعد في عالم يميد بالمتـناقضات ، و هي دوماً لا تـقر بما يكون البـشر كائـنين عليه إنما تـطمح لتجاوز شروط الوجود السلبـية : [[ الفلسفة تستمد أصلها من الديالكتيك ، و عالمها المقولي يتـناسب و وقائع عالم متـناحر ]] ، تجدها محملة بالأحكام القـيمية ، مثـالها اعـتبار الإنسان كائن يمتـلك ملكات طيـبة قادرة على التحرر من العمل الشـاق و المرهق .

و في المجتمع المعاصر ما زالت الـذات المفكرة غير حرة طالما أن الإنسان ما زال مشغولاً بتأمين الأشياء الضرورية للحياة ، هذا الأمـر الأخيـر وجـد منذ بداية صراع الإنسان مع الطبـيعة و رسخه الانقسام الطبقي كما ذهب ماركس ، و قد أدركه الفلاسفة منذ بواكير الفكر الفلسفي الأولى على اختلاف توجـهاتهم ، و لنـتـذكر أن أرسطو جعل الفلسفة حكراً على النخبة المفكرة و حظرها على العبـيد على اعتبار أن العبد هو أداة عمل حية ، هذا الرأي و إن كان عنصرياً يبرر القهر الطبقي لكنه يعكس إدراكاًَ و لو كان مقلوباً بأن المنـشغل بالعمل المُستلَب لا يمكنه التـفكير بحرية ، ... و في العصر الحديث جاء ماركس ليعلن أن وجود الطبقات نتيجة التـفاوت في الملكية يجعل من الذات المفكرة مرتهنةً في تفكيرها لمصالح طبقـتها ،... فما نريد قوله هنا أنه في هكذا عالـم ما يزال الإنسان فيه مدعواً لتحرير نفسه و تطوير شروط وجوده و تحرير قدرته على العمل الجماعي - التي تميزه عن الحيوان - من الاستلاب سيبقى للفلسفة وظيفة قائمة .

لكن ما حدث في المجتمع المعاصر هو أن الفلسفة سُلِبت جذرها في ظل عالم أحادي البعد ، إذْ تم التأليف بـين المتـناقضات عبر تحقيق توازن مرعب بـين الحرية و الاضطهاد ، و بين الإنـتاجية و التدمير ، و بين التـقدم و الانتكاس ، بين الحرية و القمع ، و جاءت اللغة الوظيفية لتسلب الفلسفة ملكة التجريد ، و تمسخ مصطلحاتها المفـتوحة المتطورة إلى مصطلحات وضعية وظيفية ، .... إن أي فكر يصبو نحو النقد و التجاوز يجب أن يضع نصب عينيه التجريد و التعالي عن الواقع ، و هاتان الصفتان هي بالضبط ما سلبه المجتمع أحادي البعد من الفلسفة ، ليحبط جوهرها و النسغ الذي يمدها بالحياة الماثـل في تـناقـضات الـواقع .

و لا يقف الأمر عند اجتـثاث جذور الفلسفة ، بل يمتد إلى النيل من مفاهيمها و مُـثـلها ،... إن لهذه المثـل و المفاهيم وظيفة هامة على الرغم من أنها تُـنـتـقَض يومياً في عالم الممارسة العملية لا سيما في عالم الأعمال و السياسة ، فهي تحافظ دوماً على قيمتها كمثـل منـشود و ليس كشيء متحقق ..، إلا أنه لم يعد لهذه المُثـل و المفاهيم مكان في المنظومة الثـقافية الوضعية المهيمنة بحجة ميتافيزيقيتها و انعدام فوائدها العملية .... و في الحقيقة إن مفاهيم مثل الجمال – العدالة – الحرية( أي الكليات ) تتعالى على ما هو كائن و تبحث عما يمكن أن يكون : [[ و ما وظيفة المفهوم العام و الشمولي في الحقيقة إلا أن يكـشف عن الإمكانات المتحقـقة و الملجومة في آن واحد ]] ، [[ فمفهوم الجمال يـتضمن كل الجمال الذي لم يتحقـق بعد ، و مفهـوم الحرية يتضمن كل الحرية التي لم تـتحول إلى واقع بعد ]] ، و بذلك تبحث هذه المفاهيم عن الإمكانات المضمرة للأشـياء .. إنها مستحيلة التحقـق بكامل مضامينها لكنها ضمانة الارتقاء بالواقع بنـشدان الأسمى .. هذا الأسمى الذي تجسده هذه المفاهيم الكلية .

و الحجة الأخرى التي تطرح في معرض الدعوة لزوال الفلسفة هي أن العالم الفلسفي ذاخر بما هو غير متحقق في الواقع و في العالم المنطوق ، و بذلك فهي تحمل نزوعاً أسطورياً حسب المصطلحات السائدة في اللغة المعاصرة لغة المجتمع الصناعي ، لكن إذا ما دققنا في الأمور سنجد أن عناصر التضليل الأسطوري حاضرة في هذا المجتمع الذي يدعي رفضها، فالعلماء مثلاً يبحثون عن سبل تخفيض قتلى الحروب دون أن يبحثوا سبل إيقاف الحروب أساساً ، .. إن أسمى آيات التضليل الأسطوري في هذا المجتمع القمعي ماثـلة في أن الناس : [[ يشدهون بالإنجازات العقلانية التي تحجب مجمل لا عقلانية النظام ]] .

بعد هذا العرض لأزمة الفلسفة ، لا بد من التـساؤل عن السبل الكفيلة بإخراج الفلسفة من موتها السريري ؟ للإجابة عن هذا السؤال سنجد أنفسنا مواجهين بإنقاذ فلسفة اللغة أولاً ، فكما ذكرنا انحطت هذه الأخيرة إلى مستوى اللغة العامية ، فيما أن وظيفتها تحليل الكلام اليومي و ليس تمثـُّله كما يحدث الآن ، لأن هذا الأمر يحبس الفكر في نطاق اللغة الدارجة و يصرفه عن البحث عن حلول خارج نطاق الحلول المطروحة ، إن هذا الأمر في حقيقـته يعود إلى أن الإيديولوجية الراهنة تريد من الفكر أن يقـتصر على وصف ما يجري و منعه من بناء المفاهيم التي هي السلم الذي يجعلنا نصعد من الوصف إلى التـفسير و الفهم و التحليل و بالتالي الكشف عما يعتمل في المجتمع من تـناقضات تـناحريه بما يمهد لتجاوزها .

9. دور الفلسفة في العالم المعاصر :

إن للفلسفة مهمة راهنة تـتمثـل في نقض ما هو قائم و رسم مشاريع المستقبل ، و هذا الرفض و النقض ذو خلفية إيديولوجـية .... نقول ذلك على الرغم من الدعوات لحيادية الفكر حيث أنه من الصعب نفي هذه الخلفية عن الفلسفة ... و هذا نابع من أنه : [[ في عالم استبدادي يجب أن تكون مهمة الفلسفة مهمة سياسية من اللحظة التي يميل فيها عالم الإنشاء القائم إلى التبلور في شكل عالم يخضع بأسره للتكييف المذهبي ]] .

و على اعتبار أن كل مشروع فلسفي هو مشروع تاريخي لذلك يجب وضع معايير للحكم على شـتى المشاريع التاريخية ، و منها الفلسفية .. هذه المعايـير هي :

1 – انسجام المشروع المتعالي مع الاحتمالات الممكنة في ظل المستوى الذي بلغته الثـقافة .

2 – أن ينقض عقلانية المشروع القائم المتعالي القائمة بعقلانية أسمى و ذلك من خلال :

أ – أن يفتح آفاقاً للحـفاظ على المنجزات الإنـتاجية الحضارية و تحسينها .

ب – أن يحدد الكلية القائمة في بنيتها الأساسية و علائقها .

جـ - يمنح السبـيل و الإمكانيات لتطور الحاجات و الملكات الإنسانية .

10. آفاق التغيير:

لا نعثر عموماً على رسم منهجي لآليات التغيير أو وضع لخطة سياسية على غرار ما نعثر عليه لدى لينين مثلاً ، دوماً هناك شرح و تأكيد لمسألة بلوغ الهيمنة درجة عالية من القوة و النفاذ بحيث تمّت السيطرة على كافة الأنساق السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية وهي الآن العامل الرئيسي في ترسيخ الهيمنة ، و لا بد من كسرها لتأسيس وعي مطابق للواقع أي لما يحدث من قمع للإنسان بطريقة منمّقة خفيّة ، يعوِّل ماركيوز على فئات معينة لم تـتم الهيمنة عليها بعد مثـل المثـقـفين و المنبوذين و البوهيميـين و الملونين و المعذّبـين و أقطار العالم الثـالث التي كانت في مرحلة ماركيوز تخوض غمار حركة تحرر وطني و تحاول الانفلات من نير التبعية ( الأمر الذي كان طُرح أولاً في نظرية لينين عن الامبريالية ) ، هذه الفئات هي الشرارة التي ستوقظ الناس الغافلين عمّا يحدث من حولهم ، لكن هذا الأمر لا يظهر لدى ماركيوز بشكل يقيني كما هو الأمر لدى ماركس مثلاً حين أضفى على البروليتاريا دور المسيح المخلص القادم لا محالة عاجلاً أم آجلاً ، إنما هو أشبه بتفاؤل لا بد منه للاقـتـناع بجدوى الحياة البشرية ذاتها و هو تفاؤل محاط بتشاؤمية عامة تغلف النظرية النقدية ، و الأهم أنه لا يقدم أي توضيح عن آلية تكون هذا الوعي بالهـيمنة أو شروط تكونه بل يقصر الحديث عن تولد حاجات جديدة لدى الإنسان - مع تطوره المُطرَد - سيعجز مجتمع التكنولوجية القمعي عن تلبـيتها ، عموماً هذا المأخذ ( أي انعدام خطة تغيير أو رسم لآليات واضحة ) كان مدخلاً للقول أن صلة نظرية ماركيوز بالممارسة السياسية معدومة خصوصاًَ من قبل الماركسيـين التقليديـين ، لكن هذا الانتقاد لا يمكن أن نأخذه على محمل الجد فـقد كان مرتبطاً بالصراعات السياسية ضمن التيار الماركسي ، إضافة إلى أن أية فكرة فلسفية بمجرد أن يكتبها الفيلسوف ستصبح خارجة عن نطاقه وتحت تصرف التيارات الفكرية و السياسية ، فما بالك بعالم كرّس نظريته لتوضيح القمع الذي تمارسه المجتمعات الرأسمالية ، و هناك انتـقاد آخر يوجه لماركيوز يتـمثـل بـعموميّة نـظريته و غياب التحليل البنائي عنها و هذا برأينا الانتقاد الأهم .

عموماً نالت نظرية ماركيوز شهرة واسعة بعد الأحداث الطلابية ( الثورة الجنسية و الثقافية و التعليمية ) و الإضرابات العمالـية في باريس ، ليصبح ماركيوز الفتى المدلل لدى المثـقفين و الأكاديميين و الجيل الشاب الطلابي ، و لكن سرعان ما بدأت نظريته بالانحسار لتحل محلها موجة ما بعد البنيوية و ما بعد الحداثـة ، ... و بغض النظر عن راهنيّة النظرية النقدية أو تحولها إلى مجرد تراث علمي متحفي ، فإننا نرى أنه من الضرورة لأي مثـقف يريد تكوين صورة عن النظام العالمي الجديد و فهم آليات الهيمنة التمعّن في نظرية ماركيوز ...

أخيراً نقول إن دولة الرفاه بدأت بالتراجع منذ بداية الثمانينات مترافقة مع صعود اليمين السياسي الذي توج مؤخراً بالتحاق فرنسة بركب النظام السياسي الأوربي .

و لنتذكر إن الوضع المعاشي يتراجع بإطراد في أوربة إضافة إلى أن الفئات المنبوذة و خصوصاً الملونين و المعذبين تـزداد مشكلاتهم تفاقماً ( و الذين أصبحوا يشملون كل سكان الجنوب و الفئات المنبوذة في المجتمع الغربي ) ، لكن مع إقرارنا بأن الوعي البشري مازال مخترقاً بماكينة إعلامية أصبحت أقوى بكثير مما كانت عليه أيام ماركيوز ، بل إنها العصب الرئيسي لنظام العولمة.

و لكن رغم ذلك فالقمع السافر ما زال مطروحاً ضمن بينة النظام الرأسمالي حتى في المركز لا سيما حين يتم خرق تابوات رأس المال ، هذا ما تجلى في اقـتحام رجال البوليس الفرنسي حرم السوربون الجامعي منذ عامين لينهالوا بالضرب على الطلبة المعتصمين ، ...

و رغم أن التظاهرات ضد العولمة و الحرب كانت تطوراً في التململ و الاستياء في المركز، إلا أنها لا تعكس تجذر وعي نوعي جديد رافض لمنظومة الهيمنة ككل ، كما أن الوعي العام السائد مازال نابعاً من ضمير مخدّر لا يهمّه سوى حل إشكاليات رفاهه و إن كان الأمر على حساب شعوب الجنوب .

و بالمقابل فإن أمريكة اللاتينية ترهص بشبح التغيير كما يبدو من مثال شافيز ، مما يجعلنا نقول إن موضوعة أقطار العالم الثالث لم تفقد قيمتها بعد...

و عموماً ستظل مسألة تـفسير آليات الهيمنة التي تطرّق لها ماركيوز مسألة من أهم مسائل علم الاجتماع المعاصر في ظل عالم تعِس ممزق ما زال فيه الإنسان رغم ارتقائه الحضاري بعيداً عن تحقيق سمتيه الأساسيتين : القدرة على اتخاذ القرارات و القدرة على تحويل بيئـته .

عمار عكاش – إجازة في علم الاجتماع من جامعة حلب Ammar_Akash@yahoo.com


المصادر و المراجع :

1. ماركيوز ، هربرت : الإنسان ذو البعد الواحد ، تر : جورج طرابيشي ، ط 2 ، ( دار الطليعة ، بيروت : 1971 ) .

2. كريب، إيان: النظرية الاجتماعية من بارسونز إلى هابرماس ، تر: د . حسين غلوم ، ( سلسلة عالم المعرفة ، العدد : 244 ، الكويت :أبريل ، 1999 ) .

3. Microsoft ® Encarta ® 2006. © 1993-2005 Microsoft Corporation


















البديع في شعر المتنبي







عن الشاعر

فلسفة الحياة لدى شاعر الحكمة والطموح


أبو الطيب المتنبي، أعظم شعراء العرب، وأكثرهم تمكناً باللغة العربية وأعلمهم بقواعدها ومفرداتها، صاحب كبرياء وشجاع طموح محب للمغامرات. في شعره اعتزاز بالعروبة، وتشاؤم وافتخار بنفسه، أفضل شعره في الحكمة وفلسفة الحياة ووصف المعارك، إذ جاء بصياغة قوية محكمة. إنه شاعر مبدع عملاق غزير الإنتاج يعد بحق مفخرة للأدب العربي، فهو صاحب الأمثال السائرة والحكم البالغة والمعاني المبتكرة. وجد الطريق أمامه أثناء تنقله مهيئاً لموهبته الشعرية الفائقة لدى الأمراء والحكام، إذ تدور معظم قصائده حول مدحهم. لكن شعره لا يقوم على التكلف والصنعة، لتفجر أحاسيسه وامتلاكه ناصية اللغة والبيان، مما أضفى عليه لوناً من الجمال والعذوبة. ترك تراثاً عظيماً من الشعر القوي الواضح، يضم 326 قصيدة، تمثل عنواناً لسيرة حياته، صور فيها الحياة في القرن الرابع الهجري أوضح تصوير، ويستدل منها كيف جرت الحكمة على لسانه، لاسيما في قصائده الأخيرة التي بدأ فيها وكأنه يودعه الدنيا عندما قال: أبلى الهوى بدني. لنتعرف على هذا الشاعر العظيم ونقترب أكثر من سيرة حياته:


ظهور الموهبة الشعرية:


هو أحمد بن الحسين بن الحسن بن عبد الصمد الجعفي الكوفي الكندي. ولد في كندة بالكوفة سنة 303 هـ=915 م. وتقع حالياً على مسافة عشرة كيلومترات من النجف وخمسة وستون من كربلاء تقريباً. يقال إن والده الحسين سماه أحمد و لقبه بأبي الطيب، ويقال إنه لم يعرف أمه لموتها وهو طفل فربته جدته لأمه. قضى طفولته في كندة (304-308 هـ= 916-920م)، اشتهر بحدة الذكاء واجتهاده وظهرت موهبته الشعرية باكراً، فقال الشعر صبياً، وهو في حوالي العاشرة، وبعض ما كتبه في هذه السن موجود في ديوانه. في الثانية عشر من عمره رحل إلى بادية السماوة، أقام فيها سنتين يكتسب بداوة اللغة العربية وفصاحتها، ثم عاد إلى الكوفة حيث أخذ يدرس بعناية الشعر العربي، وبخاصة شعر أبي نواس وابن الرومي ومسلم بن الوليد وابن المعتز. وعني على الأخص بدراسة شعر أبي تمام وتلميذه البحتري. انتقل إلى الكوفة والتحق بكتاب (309-316 هـ=921-928م) يتعلم فيه أولاد أشراف الكوفة دروس العلوية شعراً ولغة وإعراباً. اتصل في صغره بأبي الفضل في الكوفة، وكان من المتفلسفة، فهوسه وأضله. كان أبو الطيب سريع الحفظ، فقيل أنه حفظ كتاباً نحو ثلاثين ورقة من نظرته الأولى إليه.


من البادية إلى السجن:


لم يستقر أبو الطيب في الكوفة، اتجه خارجاً ليعمق تجربته في الحياة وليصبغ شِعره بلونها، أدرك بما يتملك من طاقات وقابليات ذهنية أن مواجهة الحياة في آفاق أوسع من آفاق الكوفة تزيد من تجاربه ومعارفه، فرحل إلى بغداد برفقة والده، وهو في الرابعة عشرة من عمره، قبل أن يتصلب عوده، وفيها تعرف على الوسط الأدبي، وحضر بعض حلقات اللغة والأدب، ثم احترف الشعر ومدح رجال الكوفة وبغداد. غير أنه لم يمكث فيها إلا سنة، ورحل بعدها برفقة والده إلى بادية الشام يلتقي القبائل والأمراء هناك، يتصل بهم و يمدحهم، فتقاذفته دمشق وطرابلس واللاذقية وحمص. دخل البادية فخالط الأعراب، وتنقل فيها يطلب الأدب واللغة العربية وأيام الناس، وفي بادية الشام التقي القبائل والأمراء، اتصل بهم ومدحهم، وتنقل بين مدن الشام يمدح شيوخ البدو والأمراء والأدباء. قيل أنه تنبأ في بادية السماوة بين الكوفة والشام فتبعه كثيرون، وقبل أن يستفحل أمره خرج إليه لؤلؤ أمير حمص ونائب الإخشيد، فأسره وسجنه سنة 323-324 هجرية، حتى تاب ورجع عن دعواه. كان السجن علامة واضحة في حياته وجداراً سميكاً اصطدمت به آماله وطموحاته، فأخذ بعد خروجه منه منهك القوى يبحث عن فارس قوى يتخذ منه مساعداً لتحقيق طموحاته. عاد مرة أخرى يعيش حياة التشرد والقلق، فتنقل من حلب إلى أنطاكية إلى طبرية.


شاعر لا يقل عن الأمير منزلة:


وفيها التقى ببدر بن عمار سنة 328 هجرية، وهو أول من قتل أسداً بالسوط، فنعم عنده حقبة من الزمن، راضياً بما لقيه عنده من الراحة بعد التعب والاستقرار بعد التشرد، إلا أنه أحس بالملل في مقامه وشعر بأنه لم يلتق بالفارس الذي كان يبحث عنه والذي يشاركه في ملاحمه وتحقيق آماله. فعاوده الضجر الذي ألفه والقلق الذي لم يفارقه، فسقم من حياة الهدوء ووجد فيها ما يستذل كبرياءه. فهذا الأمير يحاول أن يتخذ منه شاعراً متكسباً كسائر الشعراء، وهو لا يريد لنفسه أن يكون شاعر أمير، وإنما يريد أن يكون شاعراً فارساً لا يقل عن الأمير منزلة. فلم يفقده السجن كل شيء لأنه بعد خروجه منه استعاد إرادته وكبرياءه. فالسجن أسهم في تعميق تجربته في الحياة، وتنبيهه إلى أنه ينبغي أن يقف على أرض صلبة لتحقيق ما يريده من طموح. لذلك أخذ يبحث عن نموذج الفارس القوي الذي يشترك معه لتنفيذ ما يرسمه في ذهنه. أما بدر فلم يكن هو ذاك، ثم ما كان يدور بين حاشية بدر من الكيد لأبي الطيب ومحاولة الإبعاد بينهما، جعل أبا الطيب يتعرض لمحن من الأمير ومن الحاشية تريد تقييده بإرادة الأمير. لقد رأى ذلك إهانة وإذلالاً، عبّر عنه بنفس جريحة ثائرة بعد فراقه لبدر متصلاً بصديق له هو أبو الحسن علي بن أحمد الخراساني في قوله : لا افتخار إلا لمن لا يضام. وعاد المتنبي بعد فراقه لبدر إلى حياة التشرد والقلق ثانية، وعبر عن ذلك أصدق تعبير في رائيته التي هجا بها ابن كروس الأعور أحد الكائدين له عند بدر.


الاندفاع المخلص نحو سيف الدولة:


ظل باحثاً عن أرضه وفارسه غير مستقر عند أمير ولا في مدينة حتى حط رحاله في إنطاكية حيث أبو العشائر ابن عم سيف الدولة سنة 336 ه، وعن طريقه اتصل بسيف الدولة بن حمدان، صاحب حلب، سنة 337 ه، انتقل معه إلى حلب فمدحه وحظي عنده. في مجلس هذا الأمير وجد أفقه وسمع صوته، وأحس أبو الطيب بأنه عثر على نموذج الفروسية الذي كان يبحث عنه، وسيكون مساعده على تحقيق ما كان يطمح إليه، فاندفع الشاعر مع سيف الدولة يشاركه في انتصاراته. ففي هذه الانتصارات أروع ملاحمه الشعرية، استطاع أن يرسم هذه الحقبة من الزمن وما كان يدور فيها من حرب أو سلم، فانشغل انشغالاً عن كل ما يدور حوله من حسد وكيد، ولم ينظر إلا إلى صديقه وشريكه سيف الدولة. فلا حجاب ولا واسطة بينهما. شعر سيف الدولة بهذا الاندفاع المخلص من الشاعر، واحتمل منه ما لا يحتمل من غيره من الشعراء، وكان هذا كبيراً على حاشية الأمير. ازداد أبو الطيب اندفاعاً وكبرياء واستطاع في حضرة سيف الدولة استطاع أن يلتقط أنفاسه، وظن أنه وصل إلى شاطئه الأخضر، وعاش مكرماً مميزاً عن غيره من الشعراء. وهو لا يرى إلا أنه نال بعض حقه، ومن حوله يظن أنه حصل على أكثر من حقه. وظل يحس بالظمأ إلى الحياة، إلى المجد الذي لا يستطيع هو نفسه أن يتصور حدوده، إلى أنه مطمئن إلى إمارة عربية يعيش في ظلها وإلى أمير عربي يشاركه طموحه وإحساسه. وسيف الدولة يحس بطموحه العظيم، وقد ألف هذا الطموح وهذا الكبرياء منذ أن طلب منه أن يلقي شعره قاعداً وكان الشعراء يلقون أشعارهم واقفين بين يدي الأمير، واحتمل أيضاً هذا التمجيد لنفسه ووضعها أحياناً بصف الممدوح إن لم يرفعها عليه. ولربما احتمل على مضض تصرفاته العفوية، إذ لم يكن يحس مداراة مجالس الملوك والأمراء، فكانت طبيعته على سجيتها في كثير من الأحيان.


خيبة الأمل وجرح الكبرياء:


وهذا ما كان يغري حساده به فيستغلونه ليوغروا صدر سيف الدولة عليه حتى أصابوا بعض النجاح. وأحس الشاعر بأن صديقه بدأ يتغير عليه، وكانت الهمسات تنقل إليه عن سيف الدولة بأنه غير راض، وعنه إلى سيف الدولة بأشياء لا ترضي الأمير. وبدأت المسافة تتسع بين الشاعر وصديقه الأمير، ولربما كان هذا الاتساع مصطنعاً إلا أنه اتخذ صورة في ذهن كل منهما. وأحس أبو الطيب بأن السقف الذي أظله أخذ يتصدع، وظهرت منه مواقف حادة مع حاشية الأمير، وأخذت الشكوى تصل إلى سيف الدولة منه حتى بدأ يشعر بأن فردوسه الذي لاح له بريقه عند سيف الدولة لم يحقق السعادة التي نشدها. وأصابته خيبة الأمل لاعتداء ابن خالوية عليه بحضور سيف الدولة ولم يثأر له الأمير، وأحس بجرح لكرامته، لم يستطع أن يحتمل، فعزم على مغادرته، ولم يستطع أن يجرح كبرياءه بتراجعه، وإنما أراد أن يمضي بعزمه. فكانت مواقف العتاب الصريح والفراق، وكان آخر ما أنشده إياه ميميته في سنة 345 ه ومنها: لا تطلبن كريماً بعد رؤيته. فارق أبو الطيب سيف الدولة وهو غير كاره له، وإنما كره الجو الذي ملأه حساده ومنافسوه من حاشية الأمير. فأوغروا قلب الأمير، فجعل الشاعر يحس بأن هوة بينه وبين صديقة يملؤها الحسد والكيد، وجعله يشعر بأنه لو أقام هنا فلربما تعرض للموت أو تعرضت كبرياؤه للضيم. فغادر حلباً، وهو يكن لأميرها الحب، لذا كان قد عاتبه وبقي يذكره بالعتاب، ولم يقف منه موقف الساخط المعادي، وبقيت الصلة بينهما بالرسائل التي تبادلاها حين عاد أبو الطيب إلى الكوفة من مصر حتى كادت الصلة تعود بينهما.


الممدوح الجديد:


فارق أبو الطيب حلباً إلى مصر وفي قلبه غضب كثير، وكأنه يضع خطة لفراقها ثم الرجوع إليها كأمير عاملاً حاكماً لولاية يضاهي بها سيف الدولة، ويعقد مجلساً يقابل سيف الدولة. من هنا كانت فكرة الولاية أملا في رأسه ظل يقوي وأظنه هو أقوى الدوافع. دفع به للتوجه إلى مصر حيث كافور الذي يمتد بعض نفوذه إلى ولايات بلاد الشام. في مصر واجه بيئة جديدة ومجتمعاً آخر وظروفاً اضطرته إلى أن يتنازل في أول الأمر عما لم يتنازل عنه. ثم هو عند ملك لا يحبه، ولم يجد فيه البديل الأفضل من سيف الدولة إلا أنه قصده آملاً، ووطن نفسه على مدحه راضياً لما كان يربطه في مدحه من أمل الولاية، وظل صابراً محتملاً كل ذلك. وأخذ يخطط إلى أمله الذي دفعه للمجيء إلى هنا، ويهدأ كلما لاح بريق السعادة في الحصول على أمله، وهو حين يراوده نقيض لما يراه من دهاء هذا الممدوح الجديد ومكره يحس بالحسرة على فراقه صديقه القديم. في هذه البيئة الجديدة أخذ الشعور بالغربة يقوى في نفسه بل أخذ يشعر بغربتين غربته عن الأهل والأحبة، وعما كان يساوره من الحنين إلى الأمير العربي سيف الدولة. ويزداد ألمه حين يرى نفسه بين يدي غير عربي، إلا أنه حين يتذكر جرح كبريائه يعقد لسانه ويسكت. وغربته الروحية عمن حوله والتي كان يحس بها في داخله إحساساً يشعره بالتمزق في كثير من الأحيان. وظل على هذا الحال لا تسكته الجائزة، ولا يرضيه العطاء، وظل يدأب لتحقيق ما في ذهنه ويتصور أنه لو حصل عليها لحقق طموحه في مجلس كمجلس سيف الدولة تجتمع فيه الشعراء لمدحه، فيستمع لمديحه وإكباره على لسان الشعراء، بدلاً من أن يؤكد كبرياءه هو على لسانه. ولربما كان يريد إطفاء غروره بهذا. إلا أن سلوكه غير المداري وعفويته مثلت باباً سهلاً لدخول الحساد والكائدين بينه وبين الحاكم الممدوح، ثم حدته وسرعة غضبه وعدم السيطرة على لسانه. كان كل ذلك يوقعه في مواقف تؤول عليه بصور مختلفة وفق تصورات حساده ومنافسيه. وأكاد أعتقد أنه كان مستعداً للتنازل عن كل جوائزه وهباته لمن كان يتصور أنه كان يريد أن يتربع على عرش الشعر من أجل جائزة كافور وعطائه، ثم يصوره بصورة تشوه إحساسه وتزور مشاعره. وذلك هو الذي يغيظه ويغضبه ويدفعه إلى التهور أحياناً وإلى المواقف الحادة. كل ذلك يأخذ طابعاً في ذهن الحاكم مغايراً لما في ذهن الشاعر.


صريح في الرضا والسخط:


بدأت المسافة تتسع بينه وبين كافور، وكلما اتسعت كثر في مجالها الحاسدون والواشون، وكلما أحس الشاعر ولو وهما بانزواء كافور عنه تيقظت لديه آفاق جديدة لغربته، وثارت نفسه وأحس بالمرارة إحساساً حاداً. لقد أحس بأنه لم يطلب فوق حقه ولم يتصرف بما هو خطأ، لأنه لم يصدر منه تجاوز على حق أحد. إلا أن هذا التصور البريء في ذهن الشاعر بعيد عن واقع الصورة التي في ذهن حاشية كافور. وما يصل إلى كافور من أقوال عن الشاعر، وعادة المتملقين من الوجهاء يتوصلون إلى الحاكم بواسطة حاشيته وإغراء بعض أفرادها بأن يكونوا جسوراً بينهم وبين سيدهم. هذه الجسور قد تقطع عند الحاجة بين الحاكم وبين خصومهم. أما أبو الطيب فلم يحسن هذا اللون من التظاهر ولم يفكر فيه، وإنما كان صريحاً بكل شيء في رضاه وسخطه صريحاً بما يرغب دون احتيال ولا محاورة، فما دام يشعر بالحق طالب به دون تأجيل. هذه الصراحة كثيراً ما أوقعته في مواقف حرجة، عند سيف الدولة، وهنا أيضاً عند كافور. لذا صارت للمتنبي صورة سلبية في نفس كافور، وخشي على ملكه إذا أعطاه ما يمكنه من ذلك. ظل أبو الطيب يرغب ويلح في طلبه، وظل كافور يداوره ويحاوره. كافور يحسن الاحتيال والمداورة وأبو الطيب صريح لا يحسن من ذلك شيئاً حتى وصل إلى حالة لم يستطع بعدها أن يبقى صامتاً. وشعر كافور برغبته في مغادرته فظن أن تشديد الرقابة عليه وإغلاق الحدود دونه سيخيفه ويمنعه من عزمه، ويخضعه كما يفعل مع غيره من الشعراء بالترهيب حيناً والذهب حيناً آخر. إلا أن أبا الطيب لم يعقه ذلك كله عن تنفيذ ما عزم عليه بعد أن أحس باليأس من كافور، وندم على ما فعل بنفسه في قصده إياه، وهو عند أكثر أصدقائه إخلاصاً وحباً. وظل يخطط إلى الهرب ويصر على تحدي كافور ولو بركوب المخاطر حتى وجد فرصته في عيد الأضحى. وخرج من مصر، وهجاً كافوراً بأهاجيه المرة الساخرة. إن تحديه لكافور في هروبه وركوبه كل المخاطر، ثم هذه الطاقة المتفجرة من السخط والغضب في هجائه يدل على مبلغ اليأس والندم في نفسه، ويبدو أنه كان حائراً حين فارق سيف الدولة، وحاول أن يمنع نفسه من التوجه إلى كافور. إلا أنه رجح أمر توجهه إلى مصر بعد إطالة فكر. ويبدو أنه فكر بهذه النتيجة اليائسة من ملك مصر أراد أن يتقدم من نفسه على ارتكابه خطيئة التوجه إليه واحتمالها مدحه، والتقيد بأوامره حينا. فهو حاول بأي وجه أن يشعر بالانتصار على هذه السلطة، عندما تحداه في هروبه، وفخره بالشجاعة والفروسية في اقتحام المخاطر في طريقه إلى الكوفة في مقصورته: ضربت بها التيه ضرب القمار.


مدح ابن العميد:


بعد عودته إلى الكوفة، زار بلاد فارس، فمر بأرجان، ومدح فيها ابن العميد، وكانت له معه مساجلات.


مدح عضد الدولة:


ثم رحل إلى شيراز، فمدح عضد الدولة ابن بويه الديلمي.


معركة العودة:


ثم عاد من شيراز يريد بغداد فالكوفة، فعرض له فاتك بن أبي جهل الأسدي في الطريق بجماعة من أصحابه، ومع المتنبي جماعة أيضاً. فاقتتل الفريقان حتى قتل أبو الطيب وابنه محسد وغلامه مفلح (354 هـ= 965 م) بالنعمانية بالقرب من دير العاقول في الجانب الغربي من سواد بغداد. وفاتك هذا هو خال ضبة بن يزيد الأسدي العيني، الذي هجاه المتنبي بقصيدته البائية المعروفة، وهي من سقطات المتنبي. وكان التمس منه خفارة لبعض الرجالة ليسلكوا به الطريق ويحموا عنه فلم يفعل، وقال معي سيفي ورمحي أخفّر. ويقال إن الذين خرجوا عليه من بني كلاب مع ضبة بن محمد العيني لما هجاه به: ما أنصف اليوم ضبُ. وكان الفرسان نحو خمسين فارساً، فقتل منهم جماعة وجرح جماعة وأثخن فيهم عدة، وقدرت الحرب من ضحوة إلى الأولى، ثم كلّ أبو الطيب وولده ومملوكه، فلما تطاول الأمر استرسل وظفروا به. فقتلوه وولده والمملوك. وأخذ جميع ما كان معه، ودفنوه في الموضع، وكان له قيمة كثيرة، ولم يكن طلبهم ما معه سوى نفسه. والذي تولى قتله منهم فاتك بن فراس بن بداد وكان قرابة لضبّة. ويقال أنه لما قرب منه فاتك كان معه عبد يقال له سراج، فقال له: يا سراج أخرج إليّ الدرع، فأخرجها ولبسها، وتهيأ للقتال، ثم قال هذه القصيدة.


أفرغ الدرع يا سراج وأبصر ما ترى اليوم ها هنا من قتال

فلئن رحت في المكر صريعا فأنعَ للعالمين كل الرجال


ثم قال له فاتك: قبحاً لهذه اللحية يا سبّاب. فقال فاتك ألست الذي تقول:


الخيل والليل والبيداء تعرفني والطعن والضرب والقرطاس والقلم


فقال أنا عند ذاك يابن اللخناء العفلاء. ثم قاتل وبطح نفساً أو نفسين، فخانته قوائم فرسه، فغاصت إحداها في ثقبة كانت في الأرض، فتمكن منه الفرسان وأحاطوا به وقتلوه واقتسموا ماله ورحله، وأخذوا ابنه المحسّد وأرادوا أن يستبقوه، فقال أحدهم لا تفعلوا، واقتلوه، فقتلوه. وحكى الشريف ناصر قال: عبرت على بدنه وكان مفروقاً بينه وبين رأسه، ورأيت الزنابير تدخل في فيه وتخرج من حلقه. أعاذنا الله من كل سوء ومكروه بمنّه وطوله. وكتب في سنة ثلث وثمانين وأربع مائة.




عصر أبي الطيب:


شهدت الفترة التي نشأ فيها أبو الطيب تفكك الدولة العباسية وتناثر الدويلات الإسلامية التي قامت على أنقاضها. فقد كانت فترة نضج حضاري وتصدع سياسي وتوتر وصراع عاشها العرب والمسلمون. فالخلافة في بغداد انحسرت هيبتها والسلطان الفعلي في أيدي الوزراء وقادة الجيش ومعظمهم من غير العرب. ثم ظهرت الدويلات والإمارات المتصارعة في بلاد الشام، وتعرضت الحدود لغزوات الروم والصراع المستمر على الثغور الإسلامية، ثم ظهرت الحركات الدموية في العراق كحركة القرامطة وهجماتهم على الكوفة. لقد كان لكل وزير ولكل أمير في الكيانات السياسية المتنافسة مجلس يجمع فيه الشعراء والعلماء يتخذ منهم وسيلة دعاية وتفاخر ووسيلة صلة بينه وبين الحكام والمجتمع، فمن انتظم في هذا المجلس أو ذاك من الشعراء أو العلماء يعني اتفق وإياهم على إكبار هذا الأمير الذي يدير هذا المجلس وذاك الوزير الذي يشرف على ذاك. والشاعر الذي يختلف مع الوزير في بغداد مثلاً يرتحل إلى غيره فإذا كان شاعراً معروفاً استقبله المقصود الجديد، وأكبره لينافس به خصمه أو ليفخر بصوته. في هذا العالم المضطرب كانت نشأة أبي الطيب، وعى بذكائه الفطري وطاقته المتفتحة حقيقة ما يجري حوله، فأخذ بأسباب الثقافة مستغلاً شغفه في القراءة والحفظ، فكان له شأن في مستقبل الأيام أثمر عن عبقرية في الشعر العربي. كان في هذه الفترة يبحث عن شيء يلح عليه في ذهنه، أعلن عنه في شعره تلميحاً وتصريحاً حتى أشفق عليه بعض أصدقائه وحذره من مغبة أمره، حذره أبو عبد الله معاذ بن إسماعيل في اللاذقية، فلم يستمع له وإنما أجابه مصرا ً: أبا عبد الإله معاذ أني. إلى أن انتهى به الأمر إلى السجن.


نسب شريف:


في نسب أبو الطيب خلاف، إذ قيل أنه ابن سقاء كان يسقي الماء بالكوفة، وقيل أنه ابن عائلة فقيرة، وقيل أن أصوله من كندة، وهم ملوك يمنيون. ودس خصومه في نسبه، لكن الأستاذ الشاعر محمد السويدي يرجح أن نسب أبو الطيب نسب شريف، واستدل على ذلك بالتحاقه في مدرسة الأشراف العلويين وهو صغير.


































































المشاركات الشائعة

إخترتنا لكم