عُدنا والعودُ أحمدُ ... الرجاء من زوارنا الكرام تزويدنا بالوصلات التي لاتعمل

جديد مدونتنا

إبــحــث عن كتــــاب

الاثنين، 3 مايو، 2010

رواية ذاكرة غانياتي الحزينات لغابريل غارسيا ماركيز


اعترف أني لست من المختصين بالأدب أو النقد الأدبي، ولكني أقرأ بين الفينة والأخرى شيئاً يبعد عن السياسة والاقتصاد، وعلم الاقتصاد بالأساس تخصصي الذي أدرسه في الجامعة، فليسمح لي القارئ العزيز إذن أن أتدخل بما لا احترفه...







ولكن استراحتي الفكرية الأخيرة مع رواية ماركيز ذاكرة غانياتي الحزينات فرضت عليّ أن أكتب هذه السطور... فالعلاقة بين مسن في التسعين وفتاة في الخامسة عشر أثارت القرف في كل جوارحي، ولكن بالرغم من ذلك لم أتمكن من ترك الرواية التي تشبه قصة قصيرة، طويلة جداً، في الواقع.







ولربما تعمد ماركيز أن يثير فينا عاطفة القرف، وهي عاطفة إنسانية كغيرها من حق الفنان أن يطلق آسارها من فؤادنا، ولكن الذي زاد الأمر قرفاً على قرف هو كون الفتاة الصغيرة لم تأتِ معجبة أصلاً أو محبة أو حتى مضللة بل جاءت عاملة صغيرة فقيرة معدمة تبيع جسدها مقابل المال لإطعام أخوتها الصغار...







الغريب أن تلك العاطفة تتحول أخيراً إلى عاطفة إنسانية نبيلة، ليست هي الحب بالضبط، بل هي تقديس الحب... ففي الصفحات الأخيرة يتمكن ماركيز من إيصال رسالته الإنسانية تلك للقارئ. واعتقد أن إقدامه على هذا العمل الروائي لربما كان بهدف إرضاء غروره كروائي يستطيع أن ينقلنا من أقصى حالات القرف من خلال عمله الفني هذا إلى حافة قمة إنسانية نبيلة، أو هكذا بدا على الأقل، فرسالة "الحب يعلو على كل الحواجز" تنبثق هنا من قعر الذات المقزَزَة.







فأنت تجد نفسك في النهاية، بالرغم من الاستياء الذي يعتريك، متسائلاً ما إذا كان حب العجوز المنهك للصبية الصغيرة مشروعاً ومبرراً أم لا، باعتباره كان في النهاية مجرد إنسان مثلنا، يبحث عن ويجد نفسه في الإنسان.







ولكنك بعد ذلك لا بد أن تتساءل إذا كنا نستطيع فصل الرسالة الأدبية في رواية ماركيز ذاكرة غانياتي الحزينات عن الرسالة السياسية، أو فصل المثقف عن الصراعات السياسية السائدة في عصره. فليس هناك، بهذا المعنى، عمل فني أو أدبي محايد سياسياً سواء علا مستواه الفني أم انخفض.







بغض النظر إذن عن ملامسة النزعة الإنسانية لذاكرة غانياتي الحزينات، نجد مركيز في تلك الرواية ما بعد حداثي من الدرجة الأولى من ناحية دفاعه المبطن عن نسبية الأخلاق، وبالتالي من ناحية خروجه عن كل قالب تقليدي أو مقبول للعلاقات البشرية أو العاطفية.







من ناحية سياسية محضة، لا يخدم هذا التوجه أي شيء على الإطلاق سوى التفكيك، التفكيك الثقافي بمحاذاة التفكيك السياسي الذي تمارسه الإمبريالية علينا. وقد يبدو نقدي لرواية مركيز محافظاً من وجهة نظر فنية، ومتشدداً من وجهة نظر إنسانية، ولكن حتى لو افترضنا جدلاً صحة ذلك الاتهام، هل نستطيع فعلاً أن نفصل السياسي في العمل الفني عن الثقافي سواءٌ في هذه الرواية أو في غيرها؟!







كل عمل فني بالنهاية إما أن يكون دفاعاً عن الأمر الواقع، أو عملاً لتغيير الأمر الواقع، وهذا العمل الروائي في السياق السياسي والثقافي للعولمة في العالم الثالث، سواء في أمريكا اللاتينية التي يأتي منها مركيز أو في الوطن العربي، هو عمل تفكيكي معولم ما بعد حداثي يدافع عن نسبية الأخلاق في مجتمعات تتعرض لهجمة ثقافية.







أي أنه عمل فني يستهدف تغيير الأمر الواقع نحو الأسوأ... أو "الإصلاح على النمط الإمبريالي".







وكان الناقد أحمد الخميسي قد كتب تعليقاً على رواية الخزي أو العار للكاتب جنوب الأفريقي المعروف جون كويتزي، قال فيه أن كويتزي وضع روايته على قالب رواية مركيز ذاكرة غانياتي الحزينات في تمحورها حول علاقة مرضية ما بين أستاذ كبير وطالبة صغيرة أيضاً. فنحن نتحدث عن نمط روائي إذن...







ولم أقرأ الرواية الأخيرة، لذلك لن أعلق عليها، سوى أن تعاملها مع التناقض الواقعي ما بين المستعمر الأبيض والمواطن الأصلي الأفريقي حسبما قاله الخميسي يطرح بالتأكيد أبعاداً أكثر واقعية تنقل تلك الرواية جنوب الأفريقية من حيز الخيال الهروبي باتجاه تقديس الحب بالمجرد عند مركيز إلى حيز التناقضات القائمة في العالم الثالث بالفعل.







أما مركيز، فيحل تناقض الفقر والغنى في روايته مثلاً بأن يقوم المسن الهرِم التسعيني بتوريث فيلته الفخمة للغانية الصغيرة التي يصدف هنا أن تحبه بدون شروط!







وهو نموذج اجتماعي رجعي لحل التناقضات الاجتماعية حتى بغض النظر عن رسالته الثقافية أو الأخلاقية المعولمة والما بعد حداثية الرثة.







ولكنه نموذج يدل أن الانحراف السياسي للمثقف لا يمكن إلا أن ينعكس في عمله الفني، حتى لو كان بوزن مركيز المعروف سجله بمناهضته للإمبريالية وبمناصرته للشعوب المضطهدة والمحتلة وعلى رأسها الشعب العربي الفلسطيني...







فماركيز حضر منتدى دافوس مثل محمود درويش وكرم هناك، وهو كما نعلم منتدى القائمين على العولمة الإمبريالية. ومشروع العولمة اليوم يرتبط فكرياً بمشروع ما بعد الحداثة التي لا تعترف بأية مطلقات، لا قيم ولا مفاهيم ولا حقائق مطلقة فهو مشروع تفكيك العالم ثقافياً حيث تعمل العولمة على تفكيكه سياسياً ودمجه اقتصادياً.

د. إبراهيم علوش



ليست هناك تعليقات:

المشاركات الشائعة

إخترتنا لكم